فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 381

ظَاهِرُهُ انْبِثَاقُ الدَّمِ مِن عِرْقٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (( عِرْقٌ انْفَجَرَ ) )، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِن مَجَازِ التَّشْبِيهِ، إِنْ كَانَ سَبَبُ الاسْتِحَاضَةِ كَثْرَةَ مَادَّةِ الدَّمِ وَخُرُوجَهُ مِن مَجَارِي الحَيْضِ المُعْتَادَةِ.

السَّابِعُ: فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَائِضَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مِن غَيْرِ قَضَاءٍ، وَهُوَ كَالإِجْمَاعِ مِن الخَلَفِ وَالسَّلفِ فِي تَرْكِهَا، وَعَدَمِ وُجُوبِ القَضَاءِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ القَضَاءِ إِلَّا الخَوَارِجُ، نَعَمْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ لِلحَائِضِ إِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ وَتَذْكُرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ.

الثَّامِنُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا ) )رَدٌّ إِلَى أَيَّامِ العَادَةِ، وَالمُسْتَحَاضَةِ إِمَّا مُبْتَدَأَةٌ أَوْ مُعْتَادَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا مُمَيِّزَةٌ أَوْ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَالحَدِيثُ قَدْ دَلَّ بِلَفْظِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ المَرْأَةَ كَانَتْ مُعْتَادَةً، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ) )، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ تَحِيضُ فِيهَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي هَذَا الحَدِيثِ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى التَّمْييزِ - لَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ - فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقَدْ يَسْتَدِلُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَن يَرَى الرَّدَ إِلَى أَيَّامِ العَادَةِ، سَوَاءً كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ.

وَالتَّمَسُّكُ بِهِ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وَهِيَ مَا يُقَالُ: (( إِنَّ تَرْكَ الاِستفْصَالِ فِي قَضَايَا الأَحْوَالِ، مَعَ قِيامِ الاحْتِمَالِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ عُمُومِ المَقَالِ ) )، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رُوِيَ لفَيْرُوزَ - وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: (( اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ ) )، وَلَمْ يَسْتَفْصلِْْهُ: هَلْ وَقَعَ العَقْدُ عَلَيْهِمَا مُرَتَّبًا أَوْ مُتَقَارِنًا؟ وَكَذَا نَقُولُ هَهُنَا: لَمَّا سَأَلَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ عَن حُكْمِهَا فِي الاسْتِحَاضَةِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهَا رَسُولُ اللهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن كَوْنِهَا مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذَا الحُكْمَ عَامُّ فِي المُمَيِّزَةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالُوا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الَّذِي اعْتُرِضَ بِهِ، ثُمَّ يَرِدُ هَهُنَا أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا حَالَ الوَاقِعَةِ كَيْفَ وَقَعَتْ، فَأَجَابَ عَلَى مَا عَلِمَ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ حَالَ الوَاقِعَةِ فِي التَّمْيِيِزِ أَوْ عَدَمِهِ.

وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ: (( وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فِيْهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ) )، اخْتَارَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: (( وَلَيْسَتْ بِالحِيْضَةِ ) )كَسْرَ الحَاءِ، أَيْ الحَالَةُ المَأْلُوفَةُ المُعْتَادَةُ، وِالحَيْضَةُ - بِالفَتْحِ - المَرَّةُ مِن الحَيْضِ. وَقَولُهُ: (( فَإِذَا أَقْبَلَتْ ) )تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالإِقْبَالِ وَالإِدْبَارِ، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَهَا بِعَلَامَةٍ تَعْرِفُهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً وَرُدَّتْ إِلَى التَّمْيِيِزِ، فَإِقْبَالُهَا بَدْءُ الدَّمِ الأَسْوَدِ، وَإِدْبَارُهَا إِدْبَارُ مَا هُوَ بِصِفَةِ الحَيْضِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً وَرُدَّتْ إِلَى العَادَةِ، فَإِقْبَالُهَا وُجُودُ الدَّمِ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ العَادَةِ، وَإِدْبَارُهَا انْقِضَاءُ أَيَّامِ العَادَةِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيشٍ - هَذِهِ - مَا يَقْتَضِي الرَّدَّ إِلَى التَّمْيِيِزِ، وَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَها فِي المُمَيِّزَةِ، وَحُمِلَ قَولُهُ: (( فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ ) )عَلَى الحَيْضَةِ المَألْوفَةِ الَّتِي هِي بِصِفَةِ الدَّمِ المُعْتَادِ، وَأَقْوَى الرِّوَايَاتِ فِي الرَّدِّ إِلَى التَّمْيِيِزِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا: (( دَمُ الحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَأَمْسِكِي عَن الصَّلَاةِ ) )، وَأَمَّا الرَّدُّ إِلَى العَادَةِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الرِّوَايَةِ الأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت