فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 381

وَخَامِسُهَا: اخْتَلَفُوا هَلْ يُغْسَلُ مِنْهُ الذَّكَرُ كُلُّهُ أَوْ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ فَقَطْ؟ فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّه يُقْتَصَرُ عَلَى مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِن المَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْهُ الذَّكَرُ كُلُّهُ، تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَولِهِ: (( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ) )فَإِنَّ اسْمَ (( الذَّكَرِ ) )حَقِيقَةٌ فِي العُضْو كُلِّهِ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا فَرْعًا، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فِي غَسْلِهِ؟ فَذَكَرُوا قَوْلَينِ، مِن حَيْثُ إِنَّا إِذَا أَوْجَبْنَا غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ كَانَ ذَلِكَ تَعبُّدًا، وَالطَّهَارَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَالوضُوءِ. وَإِنَّمَا عَدَلَ الجُمْهُورُ عَن اسْتِعْمَالِ الحَقِيقَةِ فِي (( الذَكَرِ ) )كُلِّهِ، نَظَرًا مِنْهُمْ إِلَى المَعْنَى، فَإِنَّ المُوجِبَ لِلغَسْلِ إِنَّمَا هُوَ خُرُوجُ الخَارِجِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الاقْتِصَارُ عَلَى مَحَلِّهِ.

وَسَادِسُهَا: قَدْ يُسْتَدَلُ بِهِ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ سَلَسِ المَذْيِ يَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ مِنْهُ، مِن حَيْثُ إِنَّ عَلِيًّا، رَضِي اللهُ عَنْهُ، وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ (( كَانَ مَذَّاءً ) )، وَهُوَ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ المَذْيُ، وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالوُضُوءِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ كَثْرَتَهُ قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَقَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهِ المَرَضِ وَالاسْتِرْسَالِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيثِ بَيِانُ صِفَةِ هَذَا الخَارِجِ، عَلَى أَيِّ الوَجْهَينِ هُوَ؟

وَسَابِعُهَا: المَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ (( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ) )بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى صِيغَةِ الإِخْبَارِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ لِصِيغَةِ الإِخْبَارِ بِمَعْنَى الأَمْرِ، وَاسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الإِخْبَارِ بِمَعْنَى الأمْرِ جَائِزٌ مَجَازًا، لِمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الإِثْبَاتِ لِلشَّيءِ، وَلَو رُوِىَ: يَغْسِلْ ذَكَرَهُ - بِجَزْمِ اللَّامِ، عَلَى حَذْفِ اللَّامِ الجَازِمَةِ، وَإِبْقَاءِ عَمَلِهَا - لَجَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى ضَعْفٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، كَقَولِ الشَّاعِرِ: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ.

وَثَامِنُهَا: (( وَانْضَحْ فَرْجَكَ ) )يُرَادُ بِهِ الغَسْلُ هُنَا، لِأَنَّهُ المَأْمُورُ بِهِ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وَلِأَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ المُغَلَّظَةِ لَابُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالرَّشِّ الَّذِي هُوَ دُونَ الغَسْلِ. وَالرِّوَايَةُ (( وانْضَحْ ) )بِالحَاءِ المُهْمَلَةِ، لَا نَعْرِفُ غَيْرَهَ، وَلَو رَوِيَ (( انْضَخْ ) )بِالخَاءَ المُعْجَمَةِ، لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى مَعْنَى الغَسْلِ، فَإِنَّ النَضْخَ بِالمُعْجَمَةِ أَكْبَرُ مِن النَّضْحِ بِالمُهْمَلَةِ.

وَتَاسِعُهَا: قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ - أَوْ تُمُسِّكَ بِهِ - فِي قَبُولِ خَبَرِ الوَاحِدِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ عَلَيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَمَرَ المِقْدَادَ بِالسُّؤالِ، لِيَقْبَلَ خَبَرَهُ، وَالمُرَادُ بِهَذَا ذِكْرُ صُورَةٍ مِن الصِّوَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَهِي فَرْدٌ مِن أَفْرَادٍ لَا تُحْصَى، وَالحُجَّةُ تَقُومُ بِجُمْلَتِهَا، لَا بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، لِأَنَّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ إِثْبَاتٌ لِلشَّيءِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ صُورَةٌ مَخْصُوصَةٌ للتَّنْبِيهِ عَلَى أَمْثَالِهَا، لِا لِلاكْتِفَاءِ بِهَا، فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّا انْتُقِدَ عَلَى بَعْضِ العُلَمَاءِ، حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِآحَادٍ، وَقِيلَ: أَثْبَتَ خَبَرَ الوَاحِدِ، وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَمَعَ هَذَا فَالاسْتِدْلَالُ عِنْدِي لَا يَتِمُّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمْثَالِهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ المِقْدَادُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن المَذْيِ بِحَضْرَةِ عَلِيٍّ، فَسَمِعَ عَلِيٌّ الجَوَابَ، فَلَا يَكُونُ مِن بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الوَاحِدِ، وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِهِ يَسْأَلُ عَن الْمَذْيِ بِحَضْرَةِ عَلِيٍّ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ، نَعَمْ إِنْ وُجِدَتْ رِوَايَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ عَلِيًّا أَخَذَ هَذَا الحُكْمَ عَن المِقْدَادِ، فَفِيهِ الحُجَّةُ.

وَعَاشِرُهَا: قَدْ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ ) )جَوَازُ تَأْخِيرِ الاسْتِنْجَاءِ عَن الوُضُوءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: (( تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ) )إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ بَعْدَ الوُضُوءِ، وَأَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت