362 -الحديثُ الثالثُ: عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ:"إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ".
363 -ولِمُسْلِمٍ:"فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ".
وفي روايةٍ قالَ عمرُ:"فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا".
يعنِي: حاكيًا عَنْ غَيْرِي: أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا.
الحديثُ دليلٌ علَى المنْعِ من الحَلِفِ بغيرِ اللَّهِ تعالَى، واليمينُ منعقدةٌ عندَ الفقهاءِ باسمِ الذاتِ وبالصفاتِ العليَّةِ. وأمَّا اليمينُ بغيرِ ذلك: فهو ممنوعٌ. واختلفُوا في هذا المنْعِ. هل هو علَى التحريمِ، أو علَى الكراهةِ؟ والخلافُ موجودٌ عند المالكيَّةِ. فالأقسامُ ثلاثةٌ: الأوَّلُ: ما يُباحُ به اليمينُ. وهو ما ذكرْنَا من أسماءِ الذاتِ والصفاتِ. والثانِي: ما تحرُمُ اليمينُ بهِ بالاتِّفاقِ، كالأنصابِ والأزلامِ، واللاتِ والعُزَّى، فإنْ قُصِدَ تعظِيمُهَا فهو كفْرٌ. كذا قالَ بعضُ المالكيَّةِ، مُعلِّقًا للقولِ فيه، حيثُ يقولُ:"فإنْ قُصِدَ تعظِيمُهَا فكُفْرٌ، وإلَّا فَحَرَامٌ"القَسَمُ بالشيءِ تعظيمٌ له. وسيأتِي حديثٌ يدلُّ إطلاقُهُ علَى الكفْرِ لمَنْ حلَفَ ببعضِ ذلك ما يُشبِهُهُ، ويمكنُ إجراؤُهُ علَى ظِاهرِهِ؛ لدلالةِ اليمينِ بالشيءِ علَى التعظيمِ له.
الثالثُ: ما يُختَلَفُ فيهِ بالتحريمِ والكراهةِ. وهو ما عدَا ذلك ممَّا لا يقتضِي تعظيمُهُ كُفْرًا.
وفي قوْلِ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ:"ذاكرًا ولَا آثرًا"مُبالغةٌ في الاحتياطِ. وأنْ لا يُجْرَى علَى اللسانِ ما صورتُهُ صورةُ الممنوعِ شرْعًا.
464 -الحديثُ الرابعُ: عن أبي هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ:"قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: قْلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلْمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ: نِصْفَ إِنْسَانٍ. قَالَ: فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ"."
قولُهُ:"قِيلَ لهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ"يعنِي قالَ لهُ المَلَكُ.
فيهِ دليلٌ: علَى أنَّ اتِّباعَ اليمينِ باللَّهِ بالمشيئةِ يرفعُ حُكمَ اليمينِ؛ لقولِهِ عليهِ السلامُ:"لَمْ يَحْنَثْ"وفيهِ نظرٌ. وهذا ينقسمُ إلَى ثلاثةِ أوْجُهٍ.
أحدُهَا: أن تُرَدَّ المشيئةُ إلَى الفعلِ المحلوفِ عليه، كقولِهِ مثلا:"لأدْخُلَنَّ الدارَ إنْ شاءَ اللَّهُ"وأرادَ: ردَّ المشيئةِ إلَى الدخولِ، أيْ إنْ شاءَ اللَّهُ دخُولَهَا. وهذا هو الذي ينفعُهُ الاستثناءُ بالمشيئةِ، ولا يحنثُ إنْ لم يفعلْ.
الثانِي: أن يرُدَّ الاستثناءَ بالمشيئةِ إلَى نفسِ اليمينِ. فلا ينفعُهُ الرجوعُ؛ لوقوعِ اليمينِ، وتيقُّنِ مشيئةِ اللَّهِ.
والثالثُ: أن يُذكرَ علَى سبيلِ الأدبِ في تفويضِ الأمْرِ إلَى مشيئةِ اللَّهِ، وامتثالًا لقولِهِ تعالَى: (18: 24 وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) لا علَى قصْدِ معنَى التعليقِ. وهذا لا يرفعُ حكْمَ اليمينِ.
ولا تعلُّقَ للحديثِ بتعليقِ الطلاقِ بالمشيئةِ، والفقهاءُ مختلفونَ فيه. ومالكٌ يفرِّقُ بين الطلاقِ واليمينِ باللَّهِ، ويُوقعُ الطلاقَ، وإنْ عُلِّقَ بالمشيئةِ، بخلافِ اليمينِ باللَّهِ؛ لأنَّ الطلاقَ حُكْمٌ قد شاءَهُ اللَّهُ، وهو مُشْكِلٌ جدًّا. تركْنَا التعرُّضَ لتقريرِهِ لعدَمِ تعلُّقِهِ بالحديثِ.