خَسِرَ الَّذي تركَ الصَّلاةَ وخابَا ... وَأَبَى مَعادًا صالِحًا ومَآبَا
إن كانَ يَجْحَدُها فحسبُكَ أنَّهُ ... أمْسَى بربِّكَ كافرًا مُرْتَابَا
أوْ كانَ يترُكُها لِنَوعِ تكاسُلٍ ... غطَّى على وجْهِ الصَّوابِ حِجَابَا
فالشَّافعيُّ ومالكٌ رَأَيَا لهُ ... إن لَمْ يتُبْ: حَدَّ الحُسَامِ عِقَابَا
وأبو حنيفةَ قالَ: يُتْرَكُ مَرَّةً ... هَمَلًا، ويُحْبَسُ مَرَّةً إيجَابَا
والظَّاهِرُ المشْهورُ منْ أقْوالِهِ ... تعزِيرُهُ زجْرًا لهُ وعِقابَا
إلى أن قالَ:
والرَّأيُ عندِي: أن يؤدِّبَهُ الإما ... مُ بكلِّ تأديبٍ يراهُ صَوابَا
ويُكَفُّ عنهُ القتْلُ طُولَ حياتِهِ ... حتى يُلَاقِيَ في المآبِ حِسابَا
فالأصْلُ عصمتُهُ إلى أنْ يَمْتَطِي ... إحْدَى الثَّلاثِ إلى الْهَلاكِ رِكابَا
الكفْرُ، أو قَتْلُ المُكافِي عامِدًا ... أو محصَنٌ طلبَ الزِّنا فأصَابَا
فهذا من المنْسُوبينَ إلى أَتْبَاعِ مالكٍ، اختارَ خِلافَ مذهبِهِ في تَرْكِ قَتْلِهِ. وإمامُ الحرَمَيْنِ -أبو المَعَالي الْجُوَيْنِيُّ- استشْكلَ قتْلَهُ في مذهَبِ الشافعيِّ أَيْضًا. وجاءَ بعضُ المتأخِّرينَ ممِّن أدرَكْنا زمنَهُ فأرادَ أنْ يُزيلَ الإشْكالَ، فاستدلَّ بقولِهِ عليهِ السَّلامُ:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ويُقيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ"، ووجْهُ الدَّلالةِ مْنُهُ: أنَّهُ وَقَفَ العِصْمَةَ على مجموعِ الشَّهادتَينِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ. والمرتَّبُ على أشياءَ لا يحصُلُ إلا بحُصُولِ مجمُوعِها. وينتَفِي بانتِفَاءِ بعضِها.
وهذا إن قُصِدَ بهِ الاستدْلالُ بالمنْطوُقِ -وهوَ قولُهُ عليهِ السَّلامُ:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى .. إلخ"- فإنَّهُ يقتَضِي بمَنْطوقِه الأمْرَ بالقتالِ إلى هذهِ الغايةِ. فقدْ ذَهِلَ وسَهَا؛ لأنَّهُ فرْقٌ بينَ المُقَاتَلةِ على الشّيءِ والقتْلِ عليْهِ، فإنَّ"المُقَاتلةَ"مُفَاعلةٌ تقتَضيِ الحُصولَ من الجانِبَيْنِ، ولا يلزَمُ من إباحَةِ المقاتَلةِ على الصَّلاةِ -إذا قُوتِلَ عَلَيْها- إباحةُ القتْلِ عليْها من المُمْتَنِعِ عن فِعْلِها إذا لَمْ يُقَاتِلْ، ولا إشْكالَ بأنَّ قومًا لو تَركوُا الصَّلاةَ ونصَبُوا القتالَ عليْها أنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ، إنَّما النَّظَرُ والخِلافُ فِيما إذَا ترَكَها إنسانٌ مِن غيرِ نصْبِ قِتالٍ هلْ يُقْتَلُ أَمْ لا؟ فتأمَّل الفرْقَ بَيْنَ المُقَاتَلةِ على الصَّلاةِ والقتْلِ علَيْها، وأنَّهُ لا يلزَمُ من إباحَةِ المُقَاتلةِ عليْها إباحةُ القتْلِ عَلَيْها.
وإِن كانَ أخذَ هذا من لَفْظِ آخِرِ الحديثِ. وهوَ تَرتيبُ العِصْمَةِ على فِعلِ ذلكَ، فإنَّهُ يدلُّ بمفهومِهِ على أنَّها لا تترتَّبُ بفعلِ بعضِهِ، هَانَ الخطْبُ؛ لأنَّها دَلَالةُ مفهومٍ، والخلافُ فيها معروفٌ مشْهورٌ. وبعضُ منْ يُنازِعُهُ في هذهِ المسْألةِ لا يقولُ بدلالةِ المفْهومِ، ولو قالَ بِها فقد رَجَّحَ عليْهَا دلالةَ المنطوقِ في هذا الحديثِ.
340 -الحديثُ الثَّانِي: عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَليهِ وسلَّمَ:"أَوَّلُ ما يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ".
هذا تْعظِيمٌ لأمْرِ الدِّماءِ، فإنَّ الْبَدَاءَةَ تكونُ بالأَهَمِّ فالأَهمِّ، وهيَ حقيقَةٌ بذلكَ؛ فإنَّ الذُّنُوبَ تَعظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسدةِ الواقِعةِ بها، أو بِحَسَبِ فَوَاتِ الْمَصالِحِ المتعلِّقَةِ بِعَدمِهَا. وهدْمُ الْبِنْيةِ الإنسانيَّةِ منْ أعظَمِ المفاسِدِ، ولا ينبَغِي أنْ يكونَ