الفسخُ عَلَى الصحيحِ مِن مذهبِ الشَّافعيِّ، وإدراجُه تحتَ لفظِ الحديثِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أنَّ المنافعَ هَلْ يَنْطَلِقُ عليها اسمُ (( المتاعِ ) )أَوْ (( المالِ ) )؟ وانطلاقُ اسمِ (( المال ) )عليها أقوى.
وَقَدْ عُلِّل مَنْعُ الرجوعِ بأن المنافعَ لاَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأعيانِ القائمةِ؛ إذ لَيْسَ لَهَا وجودٌ مُسْتَقِرّ، فَإِذَا ثبتَ انطلاقُ اسمِ (( المالِ ) )أَوْ (( المتاعِ ) )عليها، فَقَدْ انْدَرَجَتْ تحتَ اللفظِ، وإن نُوزِعَ فِي ذَلِكَ، فالطريقُ أن يقالَ: إن اقْتَضَى الحديثُ أن يكونَ أحقَّ بالعينِ، ومِن لوازمِ ذَلِكَ الرجوعُ فِي المنافعِ، فَيَثْبُتُ بطريقِ اللازمِ، لاَ بطريقِ الأصالةِ، وإنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ يُتَوَقَّفُ عن كونِ اسمِ (( المنافعِ ) )يَنْطَلِقُ عليها اسمُ (( المالِ ) )أَوْ (( المتاعِ ) )؛ لأن الحُكْمَ فِي اللفظِ مُعَلَّقٌ بِذَلِكَ فِي الأحاديثِ.
ونقولُ أَيْضًا: الرجوعُ إنما هُوَ فِي المنافعِ، فَإِنَّهَا المعقودُ عَلَيْهِ، والرجوعُ إنما يكونُ فيما يتناولُه العقدُ، والعينُ لم يتناولْها عقدُ الإِجارةِ.
المسألةُ الخامسةُ: إِذَا التْزَمَ فِي ذِمَّتِه نَقْلُ متاعٍ مِن مكانٍ إِلَى مكانٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ، والأُجْرَةُ بيدِه قائمةٌ، ثَبَتَ حقُّ الفسخِ، والرجوعُ إِلَى الأجرةِ، واندراجُه تحتَ الحديثِ ظاهرٌ، إن أَخَذْنَا باللفظِ، ولم تُخَصِّصْه بالبائعِ، فإن خُصَّ بِهِ، فالحكمُ ثابتٌ بالقياسِ، لاَ بالحديثِ.
المسألةُ السادسةُ: قَدْ يمكنُ أن يُسْتَدَلَّ بالحديثِ عَلَى أن الديونَ المُؤَجَّلَةَ تَحِلُّ بالحجرِ، ووجهُهُ أَنَّهُ يَنْدَرِجُ تحتَ كونِه أدركَ مالَه، فيكونُ أحقَّ بِهِ، ومن لوازمِ ذَلِكَ أن يَحِلَّ، إذ لاَ مطالبةَ بالمُؤَجَّلِ قبلَ الحلولِ.
المسألةُ السابعةُ: يمكنُ أن يُستدلَّ بِهِ عَلَى أن الغرماءَ إِذَا قَدَّمُوا البائعَ بالثمنِ لم يَسْقُطْ حقُّه مِن الرجوعِ؛ لاندراجِه تحتَ اللفظِ، والفقهاءُ عَلَّلُوه بالمِنَّةِ.
المسألةُ الثامنةُ: قيلَ: إن هَذَا الخيارَ فِي الرجوعِ يَسْتَبِدُّ بِهِ البائعُ، وقيلَ: لابدَّ من الحاكمِ، والحديثُ يقتضي ثبوتَ الأحقيةِ بالمالِ، وَأَمَّا كيفيةُ الأخذِ، فَهُوَ غيرُ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أن يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الاستبدادِ، إِلاَّ أن فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
المسألةُ التاسعةُ: الحكمُ فِي الحديثِ مُعَلَّقٌ بالْفَلَسِ، وَلاَ يتناولُ غيرَه، ومَن أثبتَ مِن الفقهاءِ الرجوعَ بامتناعِ المشتري من التسليمِ، مَعَ اليسارِ، أَوْ هربِه، أَوْ امتناعِ الوارثِ من التسليمِ بعدَ موتِه، فإنما يُثْبِتُه بالقياسِ عَلَى الفلسِ، ومن يقولُ بالمفهومِ فِي مثلِ هَذَا، فَلَهُ أن ينفيَ هَذَا الحكمَ بدلالةِ المفهومِ من لفظِ الحديثِ.
المسألةُ العاشرةُ: شرطُ رجوعِ البائعِ، بقاءُ العينِ فِي مَلْكِ المُفْلِسِ، فَلَوْ هَلَكَتْ لم يرجعْ؛ لقولِه عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: (( فَوَجَدَ متاعَه، أَوْ أَدْرَكَ مالَه ) )، فَشَرَطَ فِي الأحقيَّةِ إدراكَ المالِ بعينِه، وبعدَ الهلاكِ فاتَ الشرطُ، وَهَذَا ظاهرٌ فِي الهلاكِ الحسيِّ، والفقهاءُ نَزَّلُوا التصرُّفَاتِ الشرعيةَ مَنْزِلَةَ الهلاكِ الحسيِّ، كالبيعِ، والهبَةِ، والعتْقِ، والوقفِ، ولم يَنْقُضُوا هَذِهِ التصرُّفَاتِ، بخلافِ تصرُّفاتِ المُشْتَرِي فِي حقِّ الشفيعِ بِهَا، فَإِذَا تبيَّنَ أَنَّهَا كالهالكةِ شرعًا، دخَلَتْ تحتَ اللفظِ؛ فإن البائعَ حينئذٍ لاَ يكونُ مُدْرِكًا لمالِه.
واخْتَلَفُوا فيما إِذَا وُجِدَ متاعُه عندَ المُشْتَرِي، بعدَ أن خرجَ عَنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إليه بغيرِ عِوَضٍ، فقيلَ: يَرْجِعُ فِيهِ؛ لأنه وَجَدَ مالَه بعينِه، فَيَدْخُلُ تحتَ اللفظِ، وقيلَ: لاَ يرجعُ؛ لأن هَذَا الملكَ متَلقًّى مِن غيرِه؛ لأنه لَوْ تَخَلَّلَتْ حالةٌ لَوْ صادفَها الإِفلاسُ والحَجْرُ، لِمَا رجعَ، فَيَسْتَصْحِبُ حُكْمَهَا، وَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي اللفظِ بالتخصيصِ، بسببِ معنىً مفهومٍ مِنْهُ، وَهُوَ الرجوعُ إِلَى العينِ، لتعذُّرِ العوضِ من تلكَ الجهةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قدَّمْنَا ذِكْرَه، أَوْ تَخْصِيصٌ