فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 381

(وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ) [البقرة: 102] ، وَلَيْسَ المرادُ بالإِذنِ ههنا إباحةَ اللهِ تَعَالَى للإِضرارِ بالسحرِ، ولكنَّهُ لما خَلََّى بينَهم وَبَيْنَ ذَلِكَ الإِضرارِ، أطلقَ عَلَيْهِ لفظةَ (( الإِذنِ ) )مجازًا، وَهَذَا - وإن كَانَ مُحْتَمَلًا - إِلاَّ أَنَّهُ خارجٌ عن الحقيقةِ من غيرِ دلالةٍ ظاهرةٍ عَلَى المجازِ من حَيْثُ اللفظُ.

وثالثُهما: أن لفظةَ (( الاشتراطِ ) (( الشرطُ ) )وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا تدلُّ عَلَى الإِعلامِ والإِظهارِ، وَمِنْهُ أشراطُ الساعةِ، والشرْطُ اللغويُّ والشرعيُّ، وَمِنْهُ قولُ أُوَيْسِ بنِ حَجَرٍ - بفتحِ الحاءِ والجِيمِ:

فأشْرَطَ فِيهَا نفسَه

أي: أَعْلَمَهَا وَأَظْهَرَهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيُحْمَلُ (( اشْتَرِطِي ) )عَلَى معنى أَظْهِرِي حُكْمَ الولاءِ وبَيِّنيه واعْلَمِي أَنَّهُ لِمَنْ أَعْتَقَ، عَلَى عكسِ مَا أَوْرَدَهُ السائلُ وفَهِمَهُ مِن الحديثِ.

ورابعُها: مَا قيلَ: إن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ أخبرَهم (( أن الولاءَ لِمَن أَعْتَقَ ) )، ثُمَّ أَقْدَمُوا عَلَى اشْتِرَاطِ مَا يُخَالِفُ هَذَا الحكمَ الَّذِي عَلِمُوه، فَوَرَدَ هَذَا اللفظُ عَلَى سبيلِ الزَّجرِ والتَّوْبِيخِ والتَّنْكِيلِ؛ لِمُخَالَفَتِهِم الحكمَ الشرعيَّ، وغايةُ مَا فِي البابِ إخراجُ لفظةِ الأمرِ عن ظاهرِها، وَقَدْ وَرَدَتْ خارجةً عن ظاهرِها فِي مواضعَ يمتنعُ إجراؤُها عَلَى ظاهرِها، كقولِه تَعَالَى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: 40] ، (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29] ، وَعَلَى هَذَا الوجهِ والتقديرِ الَّذِي ذُكِرَ لاَ يبقى غرورٌ.

وخامسُها: أن يكونَ إبطالُ هَذَا الشرطِ عقوبةً؛ لمخالفتِهم حكمَ الشرعِ؛ فإن إبطالَ الشرطِ يقتضِي تغريمَ مَا قُوبِلَ بِهِ الشرطُ مِن الماليةِ، المُسَامَحِ بِهَا لأجلِ الشرطِ، ويكونُ هَذَا من بابِ العقوبةِ بالمالِ، كحرمانِ القاتلِ الميراثَ.

وسادسُها: أن يكونَ ذَلِكَ خاصًّا بهذه القضيَّةِ، لاَ عامًّا فِي سائرِ الصورِ، ويكونُ سببُ التخصيصِ بإبطالِ هَذَا الشرطِ المبالغةَ فِي زجرِهم عن هذا الاشتراطِ المُخَالِفِ للشرعِ، كَمَا أن فسخَ الحجِّ إِلَى العمرةِ كَانَ خاصًّا بتلكَ الواقعةِ؛ مبالغةً فِي إزالةِ مَا كانوا عَلَيْهِ من منعِ العمرةِ فِي أشهرِ الحجِّ، وَهَذَا الوجهُ ذَكَرَهُ بَعْضُ أصحابِ الشَّافعيِّ، وَجَعَلَه بَعْضُ المتأخِّرِينَ مِنْهُم الأصحَّ فِي تأويلِ الحديثِ.

الوجهُ السابعُ من الكلامِ عَلَى الحديثِ: يدلُّ عَلَى أن كلمةَ (( إنما ) )للحصرِ؛ لأنها لَوْ لم تكنْ للحصرِ لَما لَزِمَ من إثباتِ الولاءِ لِمَن أَعْتَقَ نَفْيُه عَمَّن لم يُعْتِقْ، لكنْ هَذِهِ الكلمةُ ذُكِرَتْ فِي الحديثِ لبيانِ نفيِه عَمَّن لم يُعْتِقْ، فدلَّ عَلَى أن مقتضاها الحصرُ.

الوجهُ الثامنُ: لاَ خلافَ فِي ثبوتِ الولاءِ للمُعْتِقِ عن نفسِهِ، بالحديثِ المذكورِ، واخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَعْتَقَ عَلَى أن لاَ ولاءَ لَهُ، وَهُوَ المُسَمَّى بالسائبةِ، ومذهبُ الشَّافعيِّ بطلانُ هَذَا الشرطِ، وثبوتُ الولاءِ للمُعْتِقِ، والحديثُ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي ذَلِكَ.

الوجهُ التاسعُ: قالُوا: يدلُّ عَلَى ثبوتِ الولاءِ فِي سائرِ وجوهِ العتقِ، كالكتابةِ والتعليقِ بالصفةِ، وغيرِ ذَلِكَ.

الوجهُ العاشرُ: يَقْتَضِِي حصرَ الولاءِ للمُعْتِقِ، وَيَسْتَلْزِمُ حصرَ السببيَّةِ فِي العِتْقِ، فَيقتضِي ذَلِكَ أن لاَ ولاءَ بالحِلفِ، وَلاَ بالموالاةِ، وَلاَ بإسلامِ الرجلِ عَلَى يدِ الرجلِ، وَلاَ بالتقاطِه للقِيطٍ، وكلُّ هَذِهِ الصورِ فِيهَا خلافٌ بَيْنَ الفقهاءِ، ومذهبُ الشَّافعيِّ أن لاَ ولاءَ فِي شيءٍ مِنْهَا للحديثِ.

الحاديَ عشَرَ: الحديثُ دليلٌ عَلَى جوازِ الكتابةِ، وجوازِ كتابةِ الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت