فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 381

وقعَ الصومُ فِي هذهِ الأيامِ، فَعِلَّةُ الحكمِ وقوعُ الصومِ فِي الوقتِ المنهيِّ عنهُ وعليه ترتَّبَ الحكمُ. ويبقَى ترتيبُه على مُسمَّى الأبدِ غيرَ واقعٍ، فإنَّه إذا صامَ هذهِ الأيامَ تعلَّقَ بهِ الذَّمُّ، سواءٌ صامَ غيرَها أو أفطرَ ولا يبقَى متعلَّقُ الذَّمَّ عليه صومُ الأبدِ، بلْ هوَ صومُ هذهِ الأيَّامِ، إلا أنَّهُ لمَّا كانَ صومُ الأبدِ يلزمُ منهُ صومُ هذه الأيَّامِ: تعلَّقَ بهِ الذَّمُّ، لتعلُّقِه بلازمِه الذِي لا ينفكُّ عنهُ. فمِن ههنا نَظرَ المتأوِّلونَ بهذَا التَّأويلِ فتركوا التَّعليلَ بخصوصِ صومِ الأبدِ.

المسألةُ الثانيةُ: كرهَ جماعةٌ قيامَ كلِّ الْلَيلِ, لردِّ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلكَ على مَن أرادَهُ، ولِمَا يتعلَّقُ بهِ مِن الإجحافِ بوظائفَ عديدةٍ. وفَعَلهُ جماعةٌ من المتعبِّدينَ من السَّلفِ وغيرهِم. ولعلَّهُم حملُوا الرَّدَّ على طلبِ الرِّفقِ بالمكلَّفِ. وهذا الاستدلالُ على الكراهةِ بالرَّدِّ المذكورِ عليهِ سؤالٌ، وهو أنْ يقالَ: إنَّ الرَّدَّ لمجموعِ الأمرينِ وهو صيامُ النَّهارِ، وقيامُ الْلَيلِ، فلا يلزمُ ترتُّبه على أحدِهما.

المسألةُ الثالثةُ: قولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( إنكَ لا تستطيعُ ذلكَ ) )تُطلقُ عدمُ الاستطاعةِ بالنِّسْبَةِ إِلَى المتعذَّرِ مطلقًا، وبالنسبةِ إِلَى الشَّاقِّ على الفاعلِ، وعليهمَا ذُكرَ الاحتمالُ فِي قولِهِ تعالى: (ولا تُحَمِّلْنَا ما لا طاقةَ لنا بِهِ) [البقرةِ: 286] فحمَلَهُ بعضهُم على المستحيلِ، حتَّى أخذَ جوازَ تكليفِ المُحالِ. وحَملَهُ بعضُهم على ما يشقُّ، وهو الأقربُ. فقولُه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( لا تستطيعُ ذلكَ ) )مَحمولٌ على أنهُ يشقُّ ذلكَ عليكَ، على الأقربِ. ويمكنُ أنْ يُحملَ ذلكَ على المُمتنعِ: إمَّا علَى تقديرِ أنْ يبلغَ مِن العُمرِ ما يتعذَّرُ معهُ ذلكَ، وعَلِمَهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطريقٍ، أو فِي ذلكَ التزامٌ لأوقاتٍ تقتضِي العادةُ أنهُ لابدَّ مِن وُقوعِهَا، مَعَ تعذُّرِ ذلكَ فيهَا، ويُحتملُ أنْ يكونَ قولُهُ: (( لا تستطيعُ ذلكَ ) )معَ القيامِ ببقيَّةِ المَصالحِ المرعِيَّةِ شرعًا.

المسألةُ الرابعةُ: فيهِ دليلٌ علَى استحبابِ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شهرِ. وعلَّتُه مذكورةٌ فِي الحديثِ. واختَلفَ الناسُ فِي تعيينهَا من الشَّهرِ اختلافًا فِي تعيينِ الأحبِّ والأفضلِ لا غيرُ. وليسَ فِي الحديثِ ما يدلُّ على شيءٍ من ذلكَ. فَأَضْرَبْنَا عن ذكرِهِ.

المسألةُ الخامسةُ: قولُه عليهِ الصلاةُ و السَّلامُ: (( وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهرِ ) )مؤوَّلٌ عندَهُمْ أنَّهُ مثلُ أصلِ صيامِ الدهرِ من غيرِ تضعيفٍ للحسناتِ. فإنَّ ذلكَ التضعيفَ مرتَّبٌ على الفعلِ الحسيِّ الواقعِ فِي الخارجِ. والحاملُ على هذَا التأويلِ: أنَّ القواعدَ تقتضي أنَّ المقدَّرَ لا يكونُ كالمحقَّقِ، وأنَّ الأُجُورَ تتفاوتُ بحسبِ تفاوتِ المصالحِ، أو المشقَّةِ فِي الفعلِ. فكيفَ يستوِي مَنْ فعلَ الشَّيءَ لمن قُدِّرَ فعلُه له؟ فلأجلِ ذلكَ قيلَ: إنَّ المرادَ أصلُ الفعلِ فِي التَّقديرِ، لا الفعلُ المرتَّبُ عليهِ التَّضعيفُ فِي التَّحقيقِ. وهذا البحثُ يأتي فِي مواضعَ. ولا يختصُّ بهذَا الموضِعِ.

ومنْ هَهنا يُمكنُ أن يجابَ عنِ الاستدلالِ بهَذا اللَّفظِ وشِبهه على جوازِ صومِ الدَّهرِـ من حيثُ إنهُ ذُكرَ للتَّرغيبِ فِي فعلِ هذا الصَّومِ. ووجهُ التُّرغيبِ: أنه مثَّل بصومِ الدَّهرِ. ولا يجوزُ أن تكونَ جهةُ الترغيبِ هيَ جهةُ الذَّمِّ.

وسبيلُ الجوابِ: أنَّ الذَّمَّ - عندَ مَن قالَ بهِ - متعلَّقٌ بالفعلِ الحقيقيِّ. ووجهُ الترغيبِ ههنا: حصولُ الثَّوابِ على الوجهِ التَّقديريِّ. فاختلفَتْ جهةُ التَّرغيبِ وجهةُ الذَّمِّ، وإن كانَ هذا الاستنباطُ الذِي ذُكِرَ لا بأسَ بهِ، ولكنَّ الدلائلَ الدَّالةَ على كراهةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت