فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 381

(( إِذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ المسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ) ).

الكلامُ عَلَيْهِ مِن وجوهٍ:

أحدُها: فِي حكمِ الرَّكعتينِ عندَ دخولِ المسجدِ. وجمهورُ العلماءِ عَلَى عدمِ الوجوبِ لهمَا، ثُمَّ اختلفُوا، فظاهرُ مذهبِ مالكٍ أَنَّهمَا مِنَ النَّوافلِ، وقيلَ: إنَّهمَا مِنَ السُّننِ، وَهَذَا عَلَى اصطلاحِ المَالِِكِيِّةِ فِي الفرقِ بَيْنَ النوافلِ والسُّننِ والفضائلِ. ونُقلَ عنْ بعضِ النَّاسِ أنهمَا واجبتانِ تمسُّكًا بالنَّهيِ عن الجلوسِ قبلَ الرَّكوعِ. وَعَلَى الرِّوايةِ الأُخرَى - التي وردتْ بصيغةِ الأمرِ - يكونُ التَّمسُّكُ بصيغةِ الأمرِ، وَلاَ شكَّ أنَّ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، وظاهرَ النَّهيِ التحريمُ , ومَن أزالهُمَا عن الظَّاهرِ فَهُوَ محتاجٌ إِلَى الدَّليلِ، ولعلَّهمْ يفعلونَ فِي هَذَا مَا فعلُوا فِي مسألةِ الوترِ، حَيْثُ استدلُّوا عَلَى عدمِ الوجوبِ فيهِ بقولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ عَلَى العبادِ ) )، وقولِ السَّائلِ: هلْ عليَّ غيرُهُنَّ؟ قَالَ (( لاَ، إلاَّ أنْ تَطَّوعَ ) )، فحملُوا لذلكَ صيغةَ الأمِر عَلَى النَّدبِ، لدلالِة هَذَا الحديثِ عَلَى عدمِ وجوبِ غيرِ الخمسِ، إلاَّ أنَّ هَذَا يُشكلُ عليهمْ بإيجابِهم الصَّلاةَ عَلَى الميَّتِ، تمسُّكًا بصيغةِ الأمرِ.

الوجهُ الثَّانِي: إِذَا دخلَ المسجدَ فِي الأوقاتِ المكرُوهةِ، فهلْ يركعُ أم لاَ؟ اختلفُوا فيهِ، فمذهبُ مالكٍ أنَّه لاَ يركعُ، والمعروفُ مِن مذهبِ الشَّافعيِّ وأصحابِهِ أنَّه يركعُ، لأنَّها صلاةٌ لَهَا سببٌ، وَلاَ يُكرهُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ مِن النَّوافلِ إلاَّ مَا لاَ سبَبَ لَهُ، وحُكيَ وجهٌ آخرُ: أنهُ يكرهُ، وطريقةٌ أُخرَى أنَّ محلَّ الخلافِ إِذَا قَصدَ الدخولَ فِي هَذِهِ الأوقاتِ لأجلِ أنْ يصلِّّّيَ فيهَا، أمَّا غيرُ هَذَا الوجهِ فَلاَ، وَأَمَّا مَا حكاهُ القاضِي عياضٌ عنِ الشَّافعيِّ فِي جوازِ صلاتهَا بعدَ العصرِ مَا لمْ تصفرَّ الشَّمسُ، وبعدَ الصُّبحِ مَا لم يُسفرْ، إذْ هيَ عندَهُ مِنَ النَّوافلِ التي لَهَا سببٌ، وإنَّمَا يمنعُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ مَا لاَ سببَ لَهُ، ويُقْصدُ ابتداءً، لقولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ تَحَرَّوا بصلاتِكمْ طلوعَ الشَّمسِ وَلاَ غُروبَهَا ) )انتهى كلامُه. هَذَا لاَ نعرفُه مِن نَقْلِ أصحابِ الشَّافعيِّ عَلَى هَذِهِ الصُّورةِ، وأقربُ الأشياءِ إِلَيْهِ مَا حكيناهُ منْ هَذِهِ الطريقةِ، إلاَّ أنَّهُ لَيْسَ هُوَ إياهُ بعينِه.

وَهَذَا الخلافُ فِي هَذِهِ المسألةِ ينبنِي عَلَى مسألةٍ أصوليَّةٍ مشكلةٍ، وَهُوَ مَا إِذَا تعارضَ نصَّانِ، كلُّ واحدٍ منهمَا بالنِّسبةِ إِلَى الآخرِ عامٌّ مِن وجهٍ، خاصٌّ مِن وجهٍ، ولستُ أعنِي بالنَّصينِ ههنَا مَا لاَ يحتملُ التأويلَ، وتحقيقُ ذَلِكَ أولًا يتوقَّفُ عَلَى تصويرِ المسألةِ، فنقولُ: مدلولُ أحدِ النَّصينِ إنْ لمْ يتناولْ مدلولَ الآخرِ وَلاَ شَيْئًا مِنْهُ، فهمَا مُتَبَايِنَانِ، كلفظةِ (( المشركينَ ) (( المؤمنينَ ) )مثلًا، وإن كَانَ مدلولُ أحدِهمَا يتناولُ كلَّ مدلولِ الآخرِ، فهمَا متساويانِ، كلفظةِ (( الإنسانِ ) (( البشرِ ) )مثلًا، وإنْ كَانَ مدلولُ أحدِهما يتناولُ كلَّ مدلولِ الآخرِ، ويتناولُ غيرَه، فالمتناولُ لَهُ ولغيرِه، عامٌّ من كلِّ وجهٍ بالنِّسبةِ إِلَى الآخرِ، والآخرُ خاصٌّ من كلِّ وجهٍ، وإن كَانَ مدلولُهمَا يجتمعُ فِي صورةٍ، وينفردُ كلُّ واحدٍ منهمَا بصورةٍ أَوْ صورٍ، فكلُّ واحدٍ منهمَا عامٌّ منْ وجهٍ خاصٌّ من وجهٍ.

فَإِذَا تقرَّرَ هَذَا، فقولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (ِ(إِذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ المسْجِدَ ) ) إلخ مَعَ قولهِ: (( لاَ صلاةَ بعدَ الصُّبحِ ) )مِن هَذَا القبيلِ، فإنَّهمَا يجتمعانِ فِي صورةٍ، وَهُوَ مَا إِذَا دخلَ المسجدَ بعدَ الصُّبحِ أَوْ العصرِ، وينفردانِ أَيْضًا، بأنْ توجدَ الصَّلاةُ فِي هَذَا الوقتِ من غيرِ دخولِ المسجدِ، ودخولُ المسجدِ فِي غيرِ ذَلِكَ الوقتِ، فَإِذَا وقعَ مثلُ هَذَا فالإشكالُ قائمٌ؛ لأنَّ أحدَ الخصمينِ لَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت