التَّمييزِ - مثلًا - لاحتملَ أنْ يكونَ عدمُ الإِنكارِ عَلَيْهِ لعدمِ مؤاخذتِه بسببِ صغرِ سِنِّهِ وعدمِ تمييزِه، وَقَدْ استدلَّ ابنُ عباسٍ بعدمِ الإِنكارِ عَلَيْهِ، ولمْ يستدلَّ بعدمِ استئنافِهم للصَّلاةِ، لأنَّهُ أكثرُ فائدةً، فإنَّه إِذَا دلَّ عدمُ إنكارِهم عَلَى أنَّ هَذَا الفعلَ غيرُ ممنوعٍ مِن فاعلِه، دلَّ ذَلِكَ عَلَى عدمِ إفسادِ الصلاةِ، إذ لَوْ أفسدَها لامتنعَ إفسادُ صلاةِ النَّاسِ عَلَى المارِّ، وَلاَ ينعكسُ هَذَا، وَهُوَ أنْ يقالَ: وَلَوْ لم يُفسدْ لمْ يمتنعْ عَلَى المارِّ، لجوازِ أن ْلاَ تَفسُدَ الصلاةُ ويمتنعَ المرورُ، كَمَا تقولُ فِي مرورِ الرَّجلِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي، حَيْثُ يكونُ لَهُ مندوحةٌ إنهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ المرورُ، وإنْ لَمْ يُفسدِ الصلاَةَ عَلَى المُصلِّي، فثبتَ بِهَذَا أنَّ عدَمَ الإِنكارِ دليلٌ عَلَى الجوازِ، والجوازُ دليلٌ عَلَى عدمِ الإِفسادِ، وأنهُ لاَ ينعكسُ، فَكَانَ الاستدلالُ بعدمِ الإِنكارِ أكثرَ فائدةً مِن الاستدلالِ بعدمِ استئنافِهم الصَّلاةَ.
ويُسْتَدَلُّ بالحديثِ عَلَى أنَّ مرورَ الحمارِ بَيْنَ يديِ المُصلِّي لاَ يُفسدُ الصلاةَ، وَقَدْ قَالَ فِي الحديثِ (( بغيرِ جدارٍ ) )وَلاَ يلزمُ مِن عدمِ الجدارِ عدمُ السُّترةِ، فإنْ لمْ يكنْ ثَمَّةَ سُترةٌ غيرُ الجدارِ فالاستدلالُ ظاهرٌ، وإنْ كَانَ وَقفُ الاستدلالِ عَلَى أحدِ أمرين، إمَّا أنْ يكونَ هَذَا المرورُ وقعَ دونَ السُّترةِ، أعني بَيْنَ السُّترةِ والإِمامِ، وَإمَّا أنْ يكونَ الاستدلالُ وقعَ بالمرورِ بَيْنَ يديِ المأمومينَ أَوْ بعضِهمْ، لكنْ قَدْ قالُوا: إنَّ سترةَ الإِمامِ سترةٌ لمنْ خلفَهُ، فَلاَ يتمُّ الاستدلالُ إلاَّ بتحقيقِ إحدى هَذِهِ المقدِّماتِ التي مِنْهَا أنَّ سُتْرَةَ الإِمامِ ليستْ سترةً لمنْ خلفَهُ، إن لمْ يكن مجمَعًا عليهَا.
وَعَلَى الجملةِ فالأكثرونَ مِن الفقهاءِ عَلَى أنهُ لاَ تفسدُ الصَّلاةُ بمرورِ شيءٍ بَيْنَ يديِ المُصلِّي، ووردتْ أحاديثُ مُعَارِضَةٌ لذلكَ.
فَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِ الصَّلاةِ بمرورِ الكلبِ والمرأةِ والحمارِ، وَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِهَا بمرورِ الكلبِ الأسودِ والمرأةِ والحمارِ، وهذانِ صحيحانِ، وَمِنْهَا مَا دلَّ عَلَى انقطاعِها بمرورِ الكلبِ الأسودِ والمرأةِ والحمارِ واليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ والخنزيرِ، وَهَذَا ضعيفٌ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ إِلَى أنَّ مرورَ الكلبِ الأسودِ يقطعُها، ولمْ نجدْ ذلك مُعارِضًا، قَالَ: وَفِي قلبِي مِن المرأةِ والحمارِ شيءٌ.
وَإِنَّمَا ذهبَ إِلَى هَذَا - واللهُ أعلمُ - لأنَّه تركَ الحديثَ الضعيفَ بمرَّةٍ، ونظرَ إِلَى الصحيحِ، فحملَ مُطْلَقَ (( الكلبِ ) )فِي بعضِ الرِّواياتِ عَلَى تقييدهِ بالأسودِ فِي بعضِها، ولمْ يجدْ لذلكَ معارضًا، فَقَالَ بِهِ، ونظرَ إِلَى المرأةِ والحمارِ، فوجدَ حديثَ عائشةَ - الآتِي - يعارضُ أَمْرَ المرأةِ، وحديثَ ابنِ عباسٍ - هَذَا - يعارضُ أَمْرَ الحمارِ، فتوقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ العبارةُ - التي حكيناهَا عَنْهُ - أجودُ مِمَّا دلَّ عَلَيْهِ كلامُ الأثرمِ مِن جزمِ القولِ عَنْ أحمدَ بأنَّه لاَ يقطعُ المرأةُ والحمارُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لأنَّ جزمَ القولِ بِهِ يتوقَّفُ عَلَى أمرينِ: أحدهما: أنْ يتبيَّنَ تأخُّرُ المُقْتَضِِي لعدمِ الفسادِ عَلَى المقتضِي للفسادِ، وَفِي ذَلِكَ عُسرٌ عندَ المبالغةِ فِي التَّحقيقِ. والثَّاني: أن يتبيَّنَ أنَّ مرورَ المرأةِ مساوٍ لمَا حكتهُ عائشةُ، رضيَ اللهُ عنهَا، مِنَ الصَّلاةِ إليهَا وهيَ راقدةٌ، وليستْ هَذِهِ المقدِّمةُ بالبيِّنةِ عندنَا لوجهينِ: أحدُهما: أنَّها رضيَ اللهُ عنهَا ذكرَتْ أنَّ البُيوتَ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فيهَا مصابيحُ فلعلَّ سببَ هَذَا الحكمِ عدمُ المشاهدةِ لَهَا.
والثاني: أنَّ قائلًا لَوْ قَالَ: إنَّ مرورَ المرأةِ ومشيَها لاَ يساويهِ فِي التَّشويشِ عَلَى المصلِّي اعتراضُهَا بَيْنَ يديهِ، فَلاَ يساويهِ فِي الحكمِ لم يكنْ ذَلِكَ بالممتنعِ، وَلَيْسَ يَبعدُ مِن تصُّرفِ الظاهريَّةِ مثلُ هَذَا.