فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 381

التَّعارضِ. وإن احتملَ غيرَ ذلكَ على الطَّريقةِ الفقهيَّةِ.

ولا يقالُ: إذا وقعَ التَّعارضُ فالذِي أثبتَ التطويلَ في القيامِ لا يُعارضُه مَن نفاهُ. فإنَّ المُثْبِتَ مقدَّمٌ على النَّافِي.

لأنَّا نقولُ، الرِّوايةُ الأُخرى تقتضِي بنصِّها عدمَ التَّطويلِ في القيامِ، وخروجَ تلكَ الحالةِ - أعنِي حالةَ القيامِ والقعودِ - عن بقيَّةِ حالاتِ أركانِ الصَّلاةِ. فيكونُ النَّفيُ والإثباتُ محصورينِ في محلٍّ واحدٍ. والنَّفيُ والإثباتُ إذا انحصرَا في محلٍّ واحدٍ تعارضا، إلاَّ أنْ يُقالَ باختلافِ هذهِ الأحوالِِ بالنِّسبةِ إلى صلاةِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يبقَى فيهَا انحصارٌ في محلٍّ واحدٍ بالنسبةِ إلى الصَّلاةِ. ولا يُعترضُ على هذَا إلاَّ بمَا قدَّمناهُ من مقتضَى لفظةِ (( كانَ ) )إنْ وُجدتْ في حديثٍ، أو كونِ الحديثِ واحدًا عن مُخَرِّجٍ واحدٍ اختلفَ فيهِ، فليُنظَرْ ذلكَ في الرِّواياتِ ويُحقَّق الاتِّحادُ أو الاختلافُ في مخرجِ الحديثِ. واللهُ أعلمُ.

91 -الحديثُ الثَّامنُ: عَنْ ثَابِتٍ البُنانيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدةِ مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ.

قولُه: لا آلوُ أي: لا أُقصِّرُ. وقد قيلَ: إنَّ الألُوَّ يكونُ بمعنَى التَّقصيرِ وبمعنَى الاستطاعةِ معًا. والسِّياقُ يرشدُ إلى المرادِِ، والألُوُّ على مثالِ: العُتُوِّ، ويقالُ: الأُلِيُّ على مثال العُتيُّ. والماضِي أَلاَ وقدْ يقالُ في هذَا المعنَى: (( أَلاَّ ) )بالتَّشديدِ.

وقولُه: أَنْ أُصلِّيَ أي: ْ في أنْ أصَلِّيَ. وتقديمُ أنسٍ، رضىَ اللهُ عنهُ، لهذَا الكلامِ أمامَ روايتهِ: ليدلَّ السَّامعينَ على التَّحفُّظِ لما يأتِي بهِ ويُحقِّقَ عندَهُم المراقبةَ لاتِّباعِ أفعالِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذا الحديثُ: أصرحُ في الدَّلالةِ على أنَّ الرفْعَ من الرِّكُوعِ ركنٌ طويلٌ، بلْ هوَ - واللهُ أعلمُ - نصٌّ فيهِ. فلا ينبغيِ العدولُ عنهُ لدليلٍ ضعيفٍ ذُكرَ في أنهُ ركنٌ قصيرٌ. وهوَ ما قيلَ: إنهُ لمْ يسنَّ فيهِ تكرارُ التَّسبيحاتِ على الاسترسالِ، كمَا سُنَّتِ القراءةُ في القيامِ، والتَّسبيحاتُ في الرُّكوعِ والسجودِ مطلقًا.

92 -الحديثُ التَّاسعُ: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ، رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: ومَا صلِّيْتُ خَلْفَ إِمامٍ قَطُّ أَخَفَّ صلاَةً، وَلاَ أَتَمَّ مِنْ رسولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

93 -الحديثُ العاشِرُ: عَنْ أَبِي قِلابَةَ - عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الجَرْميِّ البصريِّ - قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إِنِّي لأصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أصلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأبِي قِلابَةَ: وَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فقَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلسُ إِذَا رفَعَ رَأْسَه مِنَ السُّجُودِ قبْلَ أنْ يَنْهَضَ.

أرادَ بشيخِهم: أبا بُرَيدٍ - عمرٍو بنَ سلمةَ الجَرميَّ - ويقالُ: أبو يزيدَ.

حديثُ أنسِ بنِ مالكٍ: يدلُّ على طلبِ أمرينِ في الصَّلاةِ: التَّخفيفُ فِي حقِّ الإمامِ، معَ الإتمامِ وعدمِ التَّقصيرِ. وذلكَ هو الوَسطُ العدلُ. والميلُ إلى أحدِ الطرفينِ خروجٌ عنهُ. أمَّا التطويلُ في حقِّ الإمامِ: فإضرارٌ بالمأمومِينَ. وقد تقدَّمَ ذلكَ والتَّصريحُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت