فهرس الكتاب

الصفحة 964 من 1755

{وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ... (17) }

(الباء)

الباء يجيء إمّا متعلّقا بفعل ظاهر معه، أو متعلّقا بمضمر، فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان:

-أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جار مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية، نحو: ذهبت به، وأذهبته. قال تعالى: {وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} [الفرقان/ 72] .

-والثاني: للآلة، نحو: قطعه بالسكين «1» .

والمتعلّق بمضمر يكون في موضع الحال، نحو: خرج بسلاحه، أي: وعليه السلاح، أو:

معه السلاح. وربما قالوا: تكون زائدة، نحو:

{وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا} [يوسف/ 17] ، {وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء/ 114] ، {وَكَفى بِنا حاسِبِينَ} [الأنبياء/ 47] ، وفي كل ذلك لا ينفكّ عن معنى، ربما يدقّ فيتصور أنّ حصوله وحذفه سواء، وهما في التحقيق مختلفان، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو، فقوله: {وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا} [يوسف/ 17] ، فبينه وبين قولك: (ما أنت مؤمنا لنا) فرق، فالمتصوّر من الكلام إذا نصبت ذات واحدة، كقولك: زيد خارج، والمتصور منه إذا قيل: (ما أنت بمؤمن لنا) ذاتان، كقولك: لقيت بزيد رجلا فاضلا، فإنّ قوله: رجلا فاضلا- وإن أريد به زيد- فقد أخرج في معرض يتصوّر منه إنسان آخر، فكأنه قال: رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل.

وعلى هذا: رأيت بك حاتما في السخاء، وعلى هذا: {وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء/ 114] ، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ} [الزمر/ 36] .

وقوله: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون/ 20] قيل معناه: تنبت الدهن، وليس ذلك بالمقصود، بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن، أي: والدهن فيه موجود بالقوة، ونبّه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه. وقيل: الباء هاهنا للحال «2» ، أي: حاله أنّ فيه الدهن.

والسبب فيه أنّ الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان، وقوله: {وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح/ 28] ، {فقيل: كفى الله شهيدا نحو: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ} [الأحزاب/ 25] الباء زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصحّ أن يقال: {كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما يجيء ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال كما تقدّم ذكره. والصحيح أن (كفى) هاهنا موضوع موضع اكتف، كما أنّ قولهم: أحسن بزيد، موضوع موضع ما أحسن. ومعناه: اكتف بالله شهيدا، وعلى هذا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان/ 31] ، {وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء/ 132] ، [الأحزاب/ 48] ، وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت/ 53] ، وعلى هذا قوله: حبّ إليّ بفلان، أي: أحبب إليّ به.

وممّا ادّعي فيه الزيادة: الباء في قوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة/ 195] ، قيل تقديره: لا تلقوا أيديكم، والصحيح أنّ معناه: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة «3» ، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصدا إلى العموم، فإنه لا يجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة.

وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين/ 28] ، {عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ} «4» [الإنسان/ 6] ، {والوجه ألا يصرف ذلك عمّا عليه، وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكانا يشرب به، وعلى هذا قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ} [آل عمران/ 188] أي: بموضع الفوز. والله تعالى أعلم.

(1) ذكر أبو الحسين المزني للباء واحدا وعشرين معنى، فارجع إلى كتابه «الحروف» ص 54.

(2) قال أبو البقاء: في الآية وجهان: أحدهما: هو متعدّ، والمفعول محذوف، تقديره: تنبت ثمرها أو جناها، والباء على هذا حال من المحذوف، أي: وفيه الدهن، كقولك: خرج زيد بثيابه، وقيل: الباء زائدة، فلا حذف إذا بل المفعول الدهن. والوجه الثاني: هو لازم، يقال: نبت البقل وأنبت بمعنى، فعلى هذا الباء حال، وقيل: هي مفعول، أي: تنبت بسبب الدهن. راجع: إعراب القرآن للعكبري 2/ 952.

(3) انظر: مغني اللبيب ص 148.

(4) وجعل الباء بمعنى «من» للتبعيض أثبته الأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك والكوفيون. راجع: مغني اللبيب ص 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت