بل يكون كما قال الشاعر:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني «1»
وصَدَقَ قد يتعدّى إلى مفعولين نحو: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران/ 152] ، وصَدَّقْتُ فلانا: نسبته إلى الصّدق، وأَصْدَقْتُهُ:
وجدته صادقا، وقيل: هما واحد، ويقالان فيهما جميعا. قال: {وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ} [البقرة/ 101] ، {وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ} [المائدة/ 46] ، ويستعمل التَّصْدِيقُ في كلّ ما فيه تحقيق، يقال: صدقني فعله وكتابه.
قال تعالى: {وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ} [البقرة/ 89] ، {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران/ 3] ، {وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا} [الأحقاف/ 12] ، أي: مصدّق ما تقدّم، وقوله: «لسانا» منتصب على الحال، وفي المثل: صدقني سنّ بكره «2» .
والصَّدَاقَةُ: صدق الاعتقاد في المودّة، وذلك مختصّ بالإنسان دون غيره، قال: {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء/ 100 - 101] .
وذلك إشارة إلى نحو قوله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف/ 67] ، والصَّدَقَةُ: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزّكاة، لكن الصدّقة في الأصل تقال للمتطوّع به، والزّكاة للواجب، وقد يسمّى الواجب صدقة إذا تحرّى صاحبها الصّدق في فعله. قال: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة/ 103] ، وقال: {إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ} [التوبة/ 60] ، يقال: صَدَّقَ وتَصَدَّقَ قال: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} [القيامة/ 31] ، {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف/ 88] ، {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ} [الحديد/ 18] ، في آي كثيرة.
ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقّه: تَصَدَّقَ به، نحو قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة/ 45] ، أي: من تجافى عنه، وقوله: {وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة/ 280] ، فإنه أجرى ما يسامح به المعسر مجرى الصّدقة «3» .
وعلى هذا ما ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «ما تأكله العافية فهو صدقة» «4» ، وعلى هذا قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء/ 92] ، فسمّى إعفاءه صَدَقَةً، وقوله: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً،} [المجادلة/ 12] ، {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ} [المجادلة/ 13] ، فإنهم كانوا قد أمروا بأن يتصدّق من يناجي الرّسول بصدقة ما غير مقدّرة. وقوله: {رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون/ 10] ،
فمن الصّدق أو من الصّدقة.
وصَداقُ المرأة وصِدَاقُهَا وصُدْقَتُهَا: ما تعطى من مهرها، وقد أَصْدَقْتُهَا. قال تعالى: {وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء/ 4] .
(1) البيت لأبي نواس، وبعده:
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وهو في مختارات البارودي 1/ 114، والوساطة بين المتنبي وخصومه ص 56، وتفسير القرطبي 1/ 135.
(2) هذا مثل يضرب في الصدق، انظر: مجمع الأمثال 1/ 392، وأساس البلاغة ص 251. ويجوز في (سن) الرفع والنصب.
(3) راجع: تفسير الماوردي 1/ 292.
(4) الحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية فهو له صدقة» أخرجه أحمد في المسند 3/ 338.
وعن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ يحيي أرضا فتشرب منها كبد حرّى، أو تصيب منها عافية إلا كتب الله له به أجرا» . أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعّفه ابن المديني، انظر: مجمع الزوائد 4/ 160.