فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 1755

وإقرارهم بذلك «1» ، وهذه الشّهادة تختصّ بأهل العلم، فأمّا الجهّال فمبعدون منها، ولذلك قال في الكفّار: {ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف/ 51] ، وعلى هذا نبّه بقوله: {إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ} [فاطر/ 28] ، وهؤلاء هم المعنيّون بقوله: {وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء/ 69] ، وأمّا الشَّهِيدُ فقد يقال لِلشَّاهِدِ، والْمُشَاهِدِ للشيء، وقوله: {مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق/ 21] ، أي: من شهد له وعليه، وكذا قوله: {فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء/ 41] ، وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق/ 37] ، أي: يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على ضدّ من قيل فيهم: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت/ 44] ، وقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ} «2» ، إلى قوله: {مَشْهُودًا} «3»

أي: يشهد صاحبه الشّفاء والرّحمة، والتّوفيق والسّكينات والأرواح المذكورة في قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء/ 82] ، وقوله: {وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ} [البقرة/ 23] ، فقد فسّر بكلّ ما يقتضيه معنى الشهادة، قال ابن عباس: معناه أعوانكم «4» ،

وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم، وقال بعضهم: الذين يعتدّ بحضورهم ولم يكونوا كمن قيل فيهم شعر:

مخلّفون ويقضي الله أمرهمو ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا «5»

وقد حمل على هذه الوجوه قوله: {وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} [القصص/ 75] ، وقوله: {وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات/ 7] ، {أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت/ 53] ، {وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء/ 79] ، فإشارة إلى قوله: {لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} [غافر/ 16] ، وقوله: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى} [طه/ 7] ، ونحو ذلك ممّا نبّه على هذا النحو، والشَّهِيدُ: هو المحتضر، فتسميته بذلك لحضور الملائكة إيّاه إشارة إلى ما قال: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ... } الآية [فصلت/ 30] ، {قال: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} [الحديد/ 19] ، أو لأنهم يَشْهَدُونَ في تلك الحالة ما أعدّ لهم من النّعيم، أو لأنهم تشهد أرواحهم عند الله كما قال: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران/ 169 - 170] ، وعلى هذا دلّ قوله: {وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، وقوله: وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج/ 3] ، قيل: الْمَشْهُودُ يوم الجمعة «6» ، وقيل: يوم عرفة، ويوم القيامة، وشَاهِدٌ: كلّ من شهده، وقوله: {يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [هود/ 103] ، أي: مشاهد تنبيها أن لا بدّ من وقوعه، والتَّشَهُّدُ هو أن يقول:

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وصار في التّعارف اسما للتّحيّات المقروءة في الصّلاة، وللذّكر الذي يقرأ ذلك فيه.

(1) قال ابن القيم: وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:

أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر.

الثاني: اقتران شهادتهم بشهادته.

والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة.

الرابع: أنّ في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإنّ الله لا يَسْتَشْهِدُ من خلقه إلا العدول.

راجع: مفتاح دار السعادة 1/ 48.

(2) الآية: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا} سورة الإسراء:

آية 78.

(3) الآية: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا سورة الإسراء:

آية 78.

(4) انظر: تفسير الماوردي 1/ 77، والبصائر 3/ 353.

(5) البيت للأخطل في ديوانه ص 109.

وهو في البصائر 3/ 353 دون نسبة، وعجزه في مقدمة جامع التفاسير للمؤلف ص 155، ولم يعرفه المحقق.

(6) أخرج الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» . انظر: الدر المنثور 8/ 463، وعارضة الأحوذي 12/ 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت