قال الشاعر:
وفيهم مَقَامَاتٌ حسان وجوههم «1»
وإنما ذلك في الحقيقة اسم للمكان وإن جعل اسما لأصحابه. نحو قول الشاعر:
واستبّ بعدك يا كليب المجلس «2»
فسمّى المستبّين المجلس. والاسْتِقَامَةُ يقال في الطريق الذي يكون على خطّ مستو، وبه شبّه طريق المحقّ. نحو: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/ 6] ، {وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام/ 153] ، {إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود/ 56] . واسْتِقَامَةُ الإنسان: لزومه المنهج المستقيم. نحو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} [فصلت/ 30] وقال: {فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ} [هود/ 112] ، {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ} [فصلت/ 6] والْإِقَامَةُ في المكان: الثبات.
وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه، وقال: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة/ 68] أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة/ 66] ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلّا بلفظ الإقامة، تنبيها أنّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها، نحو: أَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة/ 43] ، {في غير موضع وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [النساء/ 162] .
وقوله: {وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى} [النساء/ 142] فإنّ هذا من القيام لا من الإقامة، وأمّا قوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ} [إبراهيم/ 40] أي: وفّقني لتوفية شرائطها، وقوله: {فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ} [التوبة/ 11] فقد قيل: عني به إقامتها بالإقرار بوجوبها لا بأدائها، والمُقَامُ يقال للمصدر، والمكان، والزّمان، والمفعول، لكن الوارد في القرآن هو المصدر نحو قوله: {إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا} [الفرقان/ 66] ،
والمُقَامةُ: الإقامة، قال: {الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر/ 35] نحو: {دارُ الْخُلْدِ} [فصلت/ 28] ، {وجَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة/ 72] وقوله: {لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [الأحزاب/ 13] ، {من قام، أي: لا مستقرّ لكم، وقد قرئ: لا مُقامَ لَكُمْ} «3» من: أَقَامَ.
ويعبّر بالإقامة عن الدوام. نحو: {عَذابٌ مُقِيمٌ} [هود/ 39] ، وقرئ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ} «4» [الدخان/ 51] ، أي: في مكان تدوم إقامتهم فيه، وتَقْوِيمُ الشيء: تثقيفه، قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين/ 4] وذلك إشارة إلى ما خصّ به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم، وانتصاب القامة الدّالّة على استيلائه على كلّ ما في هذا العالم، وتَقْوِيمُ السّلعة: بيان قيمتها. والقَوْمُ: جماعة الرّجال في الأصل دون النّساء، ولذلك قال: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} الآية [الحجرات/ 11] ، قال الشاعر:
أقوم آل حصن أم نساء «5»
وفي عامّة القرآن أريدوا به والنّساء جميعا، وحقيقته للرّجال لما نبّه عليه قوله: {الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ} الآية [النساء/ 34] .
(1) الشطر لزهير بن أبي سلمى، وعجزه:
وأندية ينتابها القول والفعل
وهو في ديوانه ص 60 من قصيدة مطلعها:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقضر من سلمى التعانيق فالثقل [ ]
(2) هذا عجز بيت لمهلهل بن ربيعة من أبيات يرثي بها أخاه.
وصدره:
نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت
وهو في ديوانه ص 280.
(3) وهي قراءة حفص وحده، والباقون بفتح الميم. الإتحاف ص 353.
(4) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.
(5) عجز بيت لزهير، وصدره:
وما أدري وسوف إخال أدري
وهو من قصيدة مطلعها:
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
وهو في ديوانه ص 12، واللسان (قوم) .