فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 1755

(كبر)

الْكَبِيرُ والصّغير من الأسماء المتضايفة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيرا في جنب شيء، وكبيرا في جنب غيره، ويستعملان في الكمّيّة المتّصلة كالأجسام، وذلك كالكثير والقليل، وفي الكمّيّة المنفصلة كالعدد، وربما يتعاقب الكثير والكبير على شيء واحد بنظرين مختلفين نحو: {قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة/ 219] و: كثير «1» قرئ بهما.

وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان، ثم استعير للمعاني نحو قوله: {لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها} [الكهف/ 49] ، وقوله: {وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ} [سبأ/ 3] ، وقوله: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة/ 3] إنما وصفه بالأكبر تنبيها أنّ العمرة هي الحجّة الصّغرى كما قال صلّى الله عليه وسلم: «العمرة هي الحجّ الأصغر» «2»

فمن ذلك ما اعتبر فيه الزمان، فيقال: فلان كَبِيرٌ، أي: مسنّ. نحو قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما} [الإسراء/ 23] ، وقال: {وَأَصابَهُ الْكِبَرُ} [البقرة/ 266] ، {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} [آل عمران/ 40] ،

ومنه ما اعتبر فيه المنزلة والرّفعة نحو: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام/ 19] ، ونحو: {الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ} [الرعد/ 9] ، وقوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء/ 58] فسماه كبيرا بحسب اعتقادهم فيه لا لقدر ورفعة له على الحقيقة، وعلى ذلك قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [الأنبياء/ 63] ، وقوله: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها} [الأنعام/ 123] أي: رؤساءها وقوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [طه/ 71] أي: رئيسكم.

ومن هذا النّحو يقال: ورثه كَابِرًا عن كابر، أي: أبا كبير القدر عن أب مثله. والْكَبِيرَةُ متعارفة في كلّ ذنب تعظم عقوبته، والجمع: الْكَبَائِرُ. قال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم/ 32] ، وقال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء/ 31] قيل: أريد به الشّرك لقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان/ 13] .

وقيل: هي الشّرك وسائر المعاصي الموبقة، كالزّنا وقتل النّفس المحرّمة، ولذلك قال: {إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا} [الإسراء/ 31] ، وقال: {قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما} [البقرة/ 219] .

وتستعمل الكبيرة فيما يشقّ ويصعب نحو: {وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ} [البقرة/ 45] ، وقال: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى/ 13] ، وقال: {وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ} [الأنعام/ 35] ، وقوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} [الكهف/ 5] ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذّنوب وعظم عقوبته.

ولذلك قال: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} [الصف/ 3] ، وقوله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور/ 11] إشارة إلى من أوقع حديث الإفك. وتنبيها أنّ كلّ من سنّ سنّة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه أكبر.

وقوله: {إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ} [غافر/ 56] ، أي تكبّر.

وقيل: أمر كَبِيرٌ من السّنّ، كقوله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور/ 11] ، والْكِبْرُ والتَّكَبُّرُ والِاسْتِكْبَارُ تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم التّكبّر التّكبّر على الله بالامتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة.

والاسْتِكْبارُ يقال على وجهين:

أحدهما: أن يتحرّى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا، وذلك متى كان على ما يجب، وفي المكان الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب فمحمود.

والثاني: أن يتشبّع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهذا هو المذموم، وعلى هذا ما ورد في القرآن. وهو ما قال تعالى: {أَبى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة/ 34] .

وقال تعالى: {أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} [البقرة/ 87] ، وقال: {وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا} [نوح/ 7] ، {اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ} [فاطر/ 43] ، {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ} [فصلت/ 15] ، {تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ} [الأحقاف/ 20] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ} [الأعراف/ 40] ، {قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف/ 48] ، وقوله: {فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} [غافر/ 47] قابل المستكبرين بالضّعفاء تنبيها أنّ استكبارهم كان بما لهم من القوّة من البدن والمال. وقال تعالى: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [الأعراف/ 75] فقابل المستكبرين بالمستضعفين فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف/ 133] نبّه بقوله: فَاسْتَكْبَرُوا

على تكبّرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظّمهم عن الإصغاء إليه، ونبّه بقوله: {وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف/ 133] أنّ الذي حملهم على ذلك هو ما تقدّم من جرمهم، وأنّ ذلك لم يكن شيئا حدث منهم بل كان ذلك دأبهم قبل. وقال تعالى: {فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل/ 22] ،

(1) وهي قراءة حمزة والكسائي، ووافقهما الأعمش انظر: الإتحاف ص 157.

(2) الحديث تقدّم في مادة (حج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت