فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 1755

(فتن)

أصل الفَتْنِ: إدخال الذّهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار.

قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات/ 13] ، {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات/ 14] ، أي: عذابكم، وذلك نحو قوله: {كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ} [النساء/ 56] ، وقوله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ... } الآية [غافر/ 46] ، وتارة يسمّون ما يحصل عنه العذاب فيستعمل فيه. نحو قوله: {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة/ 49] ، وتارة في الاختبار نحو: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه/ 40] ،

وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وهما في الشّدّة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد قال فيهما: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء/ 35] .

وقال في الشّدّة: {إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ} [البقرة/ 102] ، {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة/ 191] ، {وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة/ 193] ، وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة/ 49] ، أي: يقول لا تبلني ولا تعذّبني، وهم بقولهم ذلك وقعوا في البليّة والعذاب.

وقال: {فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} [يونس/ 83] ، أي: يبتليهم ويعذّبهم، وقال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ} [المائدة/ 49] ، {وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء/ 73] ، أي: يوقعونك في بليّة وشدّة في صرفهم إيّاك عمّا أوحي إليك، وقوله: {فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الحديد/ 14] ، أي: أوقعتموها في بليّة وعذاب، وعلى هذا قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال/ 25] ، وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن/ 15] ، فقد سمّاهم هاهنا فتنة اعتبارا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، وسمّاهم عدوّا في قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن/ 14] ، اعتبارا بما يتولّد منهم، وجعلهم زينة في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ... } الآية [آل عمران/ 14] ، اعتبارا بأحوال الناس في تزيّنهم بهم، وقوله: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت/ 1 - 2] ، أي: لا يختبرون فيميّز خبيثهم من طيّبهم، كما قال: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال/ 37] ، وقوله: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة/ 126] ، فإشارة إلى ما قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ... } الآية [البقرة/ 155] ، وعلى هذا قوله: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة/ 71] ، والْفِتْنَةُ من الأفعال التي تكون من الله تعالى، ومن العبد كالبليّة والمصيبة، والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضدّ ذلك، ولهذا يذّمّ الله الإنسان بأنواع الفتنة في كلّ مكان نحو قوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة/ 191] ، {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} [البروج/ 10] ، {ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ} [الصافات/ 162] ، أي: بمضلّين، وقوله: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم/ 6] .

قال الأخفش. الْمَفْتُونُ: الفتنة، كقولك: ليس له معقول «1» ، وخذ ميسوره ودع معسوره، فتقديره بأيّكم الفتون، وقال غيره: أيّكم المفتون «2» ، والباء زائدة كقوله: {كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح/ 28] ، وقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة/ 49] ، فقد عدّي ذلك ب (عن) تعدية خدعوك لمّا أشار بمعناه إليه.

(1) أي: إنّ المفعول هاهنا بمعنى المصدر، ومثله كما ذكر المؤلف: المعقول بمعنى العقل، والميسور بمعنى اليسر والمعسور بمعنى العسر، وأيضا: المحلوف بمعنى الحلف، والمجهود بمعنى الجهد.

وانظر في ذلك الصاحبي ص 395.

(2) هذا الذي نسبه المصنف لغير الأخفش قد قاله الأخفش في معاني القرآن 2/ 505، والقول الأول الذي نسبه [استدراك] للأخفش هو قول الفراء، فقد قال الفراء: المفتون هاهنا بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفتون، كما قالوا: ليس له معقول رأي. انظر: معاني القرآن 3/ 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت