وقوله: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى} [يونس/ 35] ، وقد قرئ: {يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى} «1» أي: لا يهدي غيره ولكن يهدى. أي: لا يعلم شيئا ولا يعرف أي لا هداية له، ولو هدي أيضا لم يهتد، لأنها موات من حجارة ونحوها، وظاهر اللّفظ أنه إذا هدي اهْتَدَى لإخراج الكلام أنها أمثالكم كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ} [الأعراف/ 194] وإنّما هي أموات، وقال في موضع آخر: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل/ 73] ، وقوله عزّ وجلّ: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ} [الإنسان/ 3] ، {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد/ 10] ، {وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات/ 118] فذلك إشارة إلى ما عرّف من طريق الخير والشّرّ «2» ، وطريق الثواب والعقاب بالعقل والشرع وكذا قوله: {فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} [الأعراف/ 30] ، {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [القصص/ 56] ، {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن/ 11] فهو إشارة إلى التّوفيق الملقى في الرّوع فيما يتحرّاه الإنسان وإياه عنى بقوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً} [محمد/ 17] وعدّي الهِدَايَةُ في مواضع بنفسه، وفي مواضع باللام، وفي مواضع بـ إلى، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران/ 101] ، {وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام/ 87] وقال: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ} [يونس/ 35] وقال: {هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى} [النازعات/ 18 - 19] .
وما عدّي بنفسه نحو: {وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء/ 68] ، {وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات/ 118] ، {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/ 6] ، {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء/ 88] ، {وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} [النساء/ 168] ، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} [يونس/ 43] ، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء/ 175] .
ولمّا كانت الهِدَايَةُ والتّعليم يقتضي شيئين:
تعريفا من المعرّف، وتعرّفا من المعرّف، وبهما تمّ الهداية والتّعليم فإنه متى حصل البذل من الهَادِي والمعلم ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْدِ ولم يعلّم اعتبارا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعلّم اعتبارا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إنّ الله تعالى لم يهد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتّعليم، وصحّ أن يقال: هَدَاهُمْ وعلّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الْهِدَايَةِ.
فعلى الاعتبار بالأول يصحّ أن يحمل قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة/ 109] ، {وَالْكافِرِينَ} [التوبة/ 37] وعلى الثاني قوله عزّ وجلّ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى} [فصلت/ 17] والأولى حيث لم يحصل القبول المفيد فيقال: هداه الله فلم يهتد، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ الآية، وقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى قوله: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} «3» [البقرة/ 142 - 143] فهم الّذين قبلوا هداه واهتدوا به، وقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/ 6] ، {وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء/ 68] فقد قيل: عني به الهِدَايَةُ العامّة التي هي العقل، وسنّة الأنبياء، وأمرنا أن نقول ذلك بألسنتنا وإن كان قد فعل ليعطينا بذلك ثوابا كما أمرنا أن نقول: اللهمّ صلّ على محمد وإن كان قد صلّى عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب/ 56] وقيل: إن ذلك دعاء بحفظنا عن استغواء الغواة واستهواء الشّهوات، وقيل: هو سؤال للتّوفيق الموعود به في قوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً} [محمد/ 17] وقيل: سؤال للهداية إلى الجنّة في الآخرة، وقوله عزّ وجلّ: {وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة/ 143] فإنه يعني به من هداه بالتّوفيق المذكور في قوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً} .
والهُدَى والهِدَايَةُ في موضوع اللّغة واحد لكن قد خصّ الله عزّ وجلّ لفظة الهدى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ هو به دون ما هو إلى الإنسان نحو: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة/ 2] ، {أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة/ 5] ، {هُدىً لِلنَّاسِ} [البقرة/ 185] ، {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ} [البقرة/ 38] ، {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى} [الأنعام/ 71] ، {وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران/ 138] ، {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى} [الأنعام/ 35] ، {إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل/ 37] ، {أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى} [البقرة/ 16] .
والاهْتِدَاءُ يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إمّا في الأمور الدّنيويّة، أو الأخرويّة قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها} [الأنعام/ 97] ، وقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء/ 98] ويقال ذلك لطلب الهداية نحو: {وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة/ 53] ، وقال: {فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة/ 150] ، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران/ 20] ، {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة/ 137] .
ويقال المُهْتَدِي لمن يقتدي بعالم نحو: {أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [المائدة/ 104] تنبيها أنهم لا يعلمون بأنفسهم ولا يقتدون بعالم، وقوله: {فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [النمل/ 92] فإن الِاهْتِدَاءَ هاهنا يتناول وجوه الاهتداء من طلب الهداية، ومن الاقتداء، ومن تحرّيها، وكذا قوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل/ 24] وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى} [طه/ 82] فمعناه: ثم أدام طلب الهداية، ولم يفترّ عن تحرّيه، ولم يرجع إلى المعصية. وقوله: {الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} «4» [البقرة/ 157] أي: الذين تحرّوا هدايته وقبلوها وعملوا بها، وقال مخبرا عنهم: {وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف/ 49] .
والهَدْيُ مختصّ بما يُهْدَى إلى البيت.
قال الأخفش «5» : والواحدة هَدْيَةٌ، قال: ويقال للأنثى هَدْيٌ كأنه مصدر وصف به، قال الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة/ 196] ، {هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة/ 95] ، {وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ} [المائدة/ 2] ، {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا} [الفتح/ 25] .
والهَدِيَّةُ مختصّة باللُّطَف الذي يُهْدِي بعضنا إلى بعضٍ. قال تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل/ 35] ، {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل/ 36] والمِهْدَى الطّبق الذي يهدى عليه، والْمِهْدَاءُ: من يكثر إِهْدَاءَ الهديّة، قال الشاعر:
وإنّك مهداء الخنا نطف الحشا «6»
والْهَدِيُّ يقال في الهدي، وفي العروس يقال: هَدَيْتُ العروسَ إلى زوجها، وما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ، أي: طريقته، وفلان يُهَادِي بين اثنين: إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وتَهَادَتِ المرأة: إذا مشت مشي الهدي.
(1) قرأ حمزة والكسائي وخلف يهدي.
(2) مجاز القرآن 2/ 299.
(3) الآيتان: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} .
(4) الآيتان: {الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} .
(5) ليس هذا النقل في معاني القرآن له.
(6) البيت يروى:
وإنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه
وهو للحسيل بن عرفطة في البيان والتبيين 3/ 202، والحيوان 3/ 494.