(بعض)
بَعْضُ الشيء: جزء منه، ويقال ذلك بمراعاة كلّ، ولذلك يقابل به كلّ، فيقال: بعضه وكلّه، وجمعه أَبْعَاض. قال عزّ وجلّ: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة/ 36] ، {وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} [الأنعام/ 129] ، {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت/ 25] ، وقد بَعَّضْتُ كذا: جعلته أبعاضا نحو جزّأته. قال أبو عبيدة:
(وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف/ 63] ، أي: كلّ الذي «1» ، كقول الشاعر:
أو يرتبط بعض النّفوس حمامها
«2» وفي قوله هذا قصور نظر منه «3» ، وذلك أنّ الأشياء على أربعة أضرب:
-ضرب في بيانه مفسدة فلا يجوز لصاحب الشريعة أن يبيّنه، كوقت القيامة ووقت الموت.
-وضرب معقول يمكن للناس إدراكه من غير نبيّ، كمعرفة الله ومعرفته في خلق السموات والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يبيّنه، ألا ترى أنه كيف أحال معرفته على العقول في نحو قوله: {قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} [يونس/ 101] ، وبقوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} [الأعراف/ 184] ، وغير ذلك من الآيات.
-وضرب يجب عليه بيانه، كأصول الشرعيات المختصة بشرعه.
-وضرب يمكن الوقوف عليه بما بيّنه صاحب الشرع، كفروع الأحكام.
وإذا اختلف الناس في أمر غير الذي يختص بالمنهي بيانه فهو مخيّر بين أن يبيّن وبين ألا يبيّن حسب ما يقتضي اجتهاده وحكمته، فإذا قوله تعالى: {وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف/ 63] ، لم يرد به كل ذلك، وهذا ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه، وأما قول الشاعر:
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
فإنه يعني به نفسه، والمعنى: إلا أن يتداركني الموت، لكن عرّض ولم يصرح، حسب ما بنيت عليه جملة الإنسان في الابتعاد من ذكر موته. قال الخليل: يقال: رأيت غربانا تَتَبَعَّضُ «2» ، أي:
يتناول بعضها بعضا، والبَعُوض بني لفظه من بعض، وذلك لصغر جسمها بالإضافة إلى سائر الحيوانات.
(1) راجع: مجاز القرآن 2/ 205. [ ]
(2) العجز للبيد، وشطره الأول:
ترّاك أمكنة، إذا لم أرضها
وهو من معلقته، انظر ديوانه ص 175، وشرح المعلقات 1/ 161.
(3) قال ثعلب: أجمع أهل النحو على أنّ البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء، إلا هشاما فإنه زعم أنّ قول لبيد:
أو يعتلق بعض النفوس حمامها
فادّعى وأخطأ أن البعض هاهنا جمع، ولم يكن هذا من عمله وإنما أراد لبيد ببعض النفوس نفسه. انظر: اللسان (بعض) .