فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْت ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْعَفْوِ أَنْ تَقُولَ (قَدْ عَفَوْتُ) ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ (قَدْ عَفَوْت لَك عَنْ دَارِي هَذِهِ أَوْ قَدْ أَبْرَأْتُك مِنْ دَارِي هَذِهِ) أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَمْلِيكًا وَلَا يَصِحُّ بِهِ عَقْدُ هِبَةٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ مِنْ الْعَفْوِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِجَوَازِ عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ بِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَمْلِيكُهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَجُوزُ عَلَيْهِ عُقُودُ الْهِبَاتِ وَالتَّمْلِيكَاتِ ، إذْ كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ غَيْرَ مَذْكُورٍ ، فَصَارَ
حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى الدَّلَالَةِ ، فَمَا جَازَ فِي الْأُصُولِ جَازَ فِي ذَلِكَ وَمَا لَمْ يَجُزْ فِي الْأُصُولِ مِنْ عُقُودِ الْهِبَاتِ لَمْ يَجُزْ فِي هَذَا.
وَمَعَ هَذَا فَإِنْ كَانَ هَذَا السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ الْهِبَةَ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَهْرِ الْمَقْبُوضِ وَغَيْرِ الْمَقْبُوضِ ، فَإِذَا عَفَتْ وَقَدْ قَبَضَتْ فَوَاجِبٌ أَنْ يَجُوزَ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمِهِ إلَى الزَّوْجِ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى شُرُوطِ الْهِبَاتِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْمُشَاعِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ بِهِ فِي جَوَازِهَا فِي الْمُشَاعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ ، كَانَ الْكَلَامُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.