فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ لَمَا سَقَطَ كُلُّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا لَا يَسْقُطُ جَمِيعُ الْمُسَمَّى.
قِيلَ لَهُ: لَمْ يَسْقُطْ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ بَعْضُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَهِيَ بِإِزَاءِ نِصْفِ الْمُسَمَّى لِمَنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَزَعَمَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ اسْتَبَاحَ الزَّوْجُ الْبُضْعَ ، قَالَ: (لِأَنَّ الزَّوْجَ بِإِزَاءِ الزَّوْجَةِ كَالثَّمَنِ بِإِزَاءِ الْمَبِيعِ) فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ كَمَا اسْتَحَقَّ هُوَ التَّسْلِيمَ عَلَيْهَا ؛ إذْ مَا اسْتَبَاحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِزَاءِ مَا اسْتَبَاحَهُ الْآخَرُ ، فَمِنْ أَيْنَ صَارَ الزَّوْجُ مَخْصُوصًا بِإِيجَابِ الْمَهْرِ إذَا دَخَلَ بِهَا ؟ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا بِالْمَهْرِ إذَا لَمْ تَسْتَحِقَّ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ ، وَوَاجِبٌ أَيْضًا أَنْ لَا تَصِحَّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ جِهَتِهِ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ كَمَا صَحَّ مِنْ جِهَتِهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ كَمَا لَا يَلْزَمُهَا لَهُ شَيْءٌ ؛ وَوَاجِبٌ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُقَوَّمَ الْبُضْعُ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ وَبِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ أَخْذُ الْبَدَلِ مِنْهَا لِسُقُوطِ حَقِّهِ عَنْ بُضْعِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ مَا عَقَلَتْ الْأُمَّةُ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ يَجِبُ
عَلَيْهِ الْمَهْرُ بَدَلًا مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ ، يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ.