وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُتْعَةَ بَدَلٌ مِنْ الْبُضْعِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَسْتَحِقَّ بَدَلَيْنِ ، فَلَمَّا كَانَتْ مُسْتَحِقَّةً بَعْدَ الدُّخُولِ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَسْتَحِقَّ مَعَهُ الْمُتْعَةَ.
وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَسْتَحِقُّهَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ إذَا وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا
لَمْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ وُجُوبِ بَعْضِ الْمَهْرِ ، فَأَنْ لَا تَسْتَحِقَّهُ مَعَ وُجُوبِ جَمِيعِهِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا وَجَبَتْ الْمُتْعَةُ حِينَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ أَوْلَى.
قِيلَ لَهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحِقَّهَا إذَا وَجَبَ نِصْفُ الْمَهْرِ لِوُجُوبِهَا عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْهُ ؛ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا اسْتَحَقَّتْهَا عِنْدَ فَقْدِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ لِعِلَّةِ أَنَّ الْبُضْعَ لَا يَخْلُو مِنْ بَدَلٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ وَجَبَتْ الْمُتْعَةُ ، وَلَمَّا اسْتَحَقَّتْ بَدَلًا آخَرَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَسْتَحِقَّهَا.
فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وَذَلِكَ عَامٌّ فِي سَائِرِهِنَّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.