فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟ قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة.
ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة.
وقال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر.
وقال صاحب النظم: ما في قوله: {لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد.
واختلف القراء في قوله: {تَمَسُّوهُنَّ} فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي، لإجماعهم على قوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} [الرحمن: 56] كقوله: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25] .
والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد.
فأما ما جاء في الظهار من قوله: {مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3] ، فإنه أراد المماسة التي هي عين الجماع، وهي حرام في الظهار.
ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير.
وقوله تعالى: {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} . أي. توجبوا لهن صداقًا. ومضى الكلام في معنى الفرض عند قوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] .