وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} يعني: الخطبة، {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} .
روى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس:
وأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي.
وقال الشعبي والسدي: لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره،
وقال الحسن وقتادة والضحاك والربيع وعطية عن ابن عباس: السِرُّ: هو الزنى، وكان الرجل يدخُلُ على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، فيقول لها: دعيني فإذا وفيتِ عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله عز وجل عن ذلك، وقال: الخطبة في السر بمعنى الزنا.
ويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ... ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ
ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ. وقال الكلبي: معناه: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع، وعلى هذا القول السر: الجماع نفسه.
قال الفرزدق:
مَوَانِع للأسْرَارِ إلا من أَهْلِهَا ... ويخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيْورُ المُشَفْشَفُ
الذي شفه الهم. يعني: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن.
فحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} يعني: التعريض بالخطبة كما ذكرنا، ويكون التقدير: قولًا معروفًا في هذا الموضع، وهو التعريض غير التصريح؛ لأن التصريح مزجور عنه، فهو منكر غير معروف.
ويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا منه الفحوى والمعنى دون التصريح.