فقال: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فلما رسخ ذلك فِي نفوسهم أنزل قوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، وكأن فِي هذا إشارة لا يعرفها إلا ذوو العقول الراجحة ، فلما قوي ذلك فِي نفوسهم فال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} وعلى قريب من هذا الكلام فِي الميسر ، لكن كان أمره أخف ، ومن الناس من جعل كل ما فيه خطر ومقامرة ميسراً ، ومنهم من قاسه عليه ، وقد روي عن النبي - عليه السلام -"من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله"، وقرئ: إثم كبير وكثير ، فكبير لقوله تعالي: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية ، وبقوله الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وعظيم وكبير متلازمان ، ولأن جلهم قرأ: {أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، ومن قرأ الكثير فنظر منه إلي ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي صفة الخمر ومشتريها وبائعها:"لعن الله عشرة: مشتريها ، وبائعها وعاصرها ، والمعتصرة له ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وساقيها وشاربها ، وآكل ثمنها..".
وقوله:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} إن قيل ؟ كيف أعيد السؤال عما ينفقون وجواب بين الجوابين ؟
قيل: أما الأول: فسؤال عن الجنس الذي ينفق ، وعمن ينفق عليه ، فبين لهم الأمران ، وأما السؤال هاهنا فعن القدر المنفق ، فأجيبوا بحسبه ، فبين أن الذي ينفق هو العفو ، وقال ابن عباس: هو الفضل عن الغني ، وهو الذي قال الشاعر:
أذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجد ...
بفضل الغني ألفيت مالك حامد
وقال الحسن وعطاء:
هو القصد الذي لا إسراف فيه ولا إقتار ، وقال مجاهد: