واعلم: أن الآية الكريمة أفادت أن التجارة دنيوية وأخروية، فالدنيا موسم التجارة والعمر مدتها، والأعضاء والقوى رأس المال، والعبد هو المشتري من وجه والبائع من وجه، فمن صرف رأس ماله إلى المنافع الدنيوية التي تنقطع عند الموت .. فتجارته دنيوية كاسدة خاسرة، وإن كان تحصيل علم دين أو كسب علم صالح فضلًا عن غيرهما، فإن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ومن صرفه إلى المقاصد الأخروية التي لا تنقطع أبدًا .. فتجارته رائجة رابحة، حرية بأن يقال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} . وذلك هو الفوز العظيم.
ولعل المراد من التجارة هنا: بذل المال والنفس في سبيل الله، وذكر الإيمان لكونه أصلًا في الأعمال ووسيلة في قبول الآمال. وتوصيف التجارة بالإنجاء لأن النجاة يتوقف عليها الانتفاع، فيكون قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ} ببيان سبب الإنجاء، وقوله: {وَيُدْخِلْكُمْ} بما يتعلق به بيان المنفعة الحاصلة من التجارة، مع أن التجارة الدنيوية تكون سببًا للنجاة من الفقر المنقطع، والتجارة الأخروية تكون سببًا للنجاة من الفقر الغير المنقطع. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". يعني: أن نعمتي الصحة والفراغ كرأس المال للمكلف، فينبغي أن يعامل الله سبحانه بالإيمان به وبرسوله، ويجاهد مع النفس لئلا يغبن، ويربح في الدنيا والآخرة، ويجتنب معاملة الشيطان؛ لئلا يضيع رأس ماله مع الربح.
13 -ثم ذكر الفوز العاجل في الدنيا، فقال: {وَأُخْرَى} ؛ أي: ولكم مع هذه النعمة العظيمة نعمة أخرى عاجلة. فـ {أُخْرَى} مبتدأ خبره محذوف، والجملة معطوفة على: {يَغْفِرْ لَكُمْ} على المعنى، أو في محل خفض معطوفة على {تُحِبُّونَهَا} ؛ أي: وهل أدلكم على خصلة أخرى {تُحِبُّونَهَا} وترغبون فيها في العاجل مع ثواب الآخرة. وقيل: في محل نصب؛ أي: ويعطيكم خصلة أخرى. وفي قوله: {تُحِبُّونَهَا} تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل، وتوبيخ على محبته، وهو صفة بعد صفة لذلك المحذوف.