(إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أَي: إِني مرسل منه - تعالى - إِليكم حال كوني مصدقا لِمَا تقدمني وجاءَ قبلي من التوراة، وذكر هذه الحال لأَنه مِن أَقوى الدواعي إِلى تصديقهم إِياه - عليه السلام - وقوله تعالى - (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) معطوف على مصدقا وهو داع أَيضا إِلى تصديقه - عليه السلام - من حيث إِن البشارة بهذا الرسول واقعة في التوراة ويتضمن كلامه - عليه السلام - أَن دينه التَّصديق بكتب الله تعالى وأَنبيائه وجملة (يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاسم الجليل (أَحْمَدُ) علم لنبينا، وصح من رواية مالك والبخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِن لي أَسماءً، أَنا محمد وأَنا أَحمد، وأَنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأَنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأَنا العاقب".
والعاقب: الذي ليس بعده نبي، وأَحمد منقول من الفعل المضارع للمتكلم، أَو من أَفعل التفضيل من الحامدية أَو المحمودية، وبشارة عيسى - عليه السلام - بنبينا مما نطلق به القرآن المُعجز فإِنكار النصارى له ضرب من الجحود والهذيان.
ذكر الآلوسي أَنه ورد في إِنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أَنصف، وسلك الصِّراط السَّوي وما تعسف، ففي الفصل الخامس عشر منه قال يسوع المسيح (إِن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أَبي يعلمكم كل شيء) ، وقال يوحنا أَيضا: قال المسيح: (من يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإِليه يأتي وعنده يتخذ المنزلة، كلمتكم بهذا لأَني لست عندكم بمقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أَبي هو يعلمكم كل شيءٍ .... الخ) .