وفي"كشف ما يلتبس من القرآن": قاله هنا بتأنيث الفعل مع الفاصل لقربه وإن جاز التذكير، وأعاده في قوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} بتذكيره مع الفاصل لكثرته وإن جاز التأنيث. وإنما كرر ذلك لأن الأول في القول والثاني في الفعل، وقيل: الأول في إبراهيم والثاني في محمد - صلى الله عليه وسلم - . انتهى.
والمعنى: قد كانت خصلة حميدة حقيقة بأن يؤتسى ويقتدى بها، ويتبع أثرها في إبراهيم والذين معه. وقولهم: لي في فلان أسوة؛ أي: قدوة، من باب التجريد، لا أن فلانًا نفسه هو القدوة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: لي في سنته وأفعاله وأقواله. وقيل: المراد بالذين معه الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا منه. وقال ابن عطية: وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يرد أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحة نمرود. وفي البخاري: أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرًا بلاد نمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك.
وقوله تعالى: {إِذْ قَالُوا} ظرف لخبر كان، ومعمول له أو لكان نفسها عند من جوّز عملها في الظرف، وهو الأصح. أو بدل اشتمال من إبراهيم والذين معه. أي: وقت قولهم {لِقَوْمِهِمْ} أي: لقرابتهم الكفار مع أنهم أكثر من عدوكم وأقوى، وقد كان من آمن بإبراهيم أقل منكم وأضعف. {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} : جمع بريء مثل: شركاء وشريك، وظريف وظرفاء. أي: بريئون من صحبتكم وقرابتكم {وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأصنام؛ أي: من عبادتها معكم. أظهروا البراءة أولًا من أنفسهم مبالغة، وثانيًا من عملهم الشرك، إذ المقصود من البراءة أولًا من معبودهم هو البراءة من عبادته. ويحتمل أن تكون البراءة منهم أن لا يصاحبوهم، ولا يخالطوهم، ومن معبودهم أن لا يقربوا منه ولا يلتفتوا نحوه. ويحتمل أن تكون البراءة منهم بمعنى البراءة من قرابتهم؛ لأن الشرك يفصل بين القرابات ويقطع الموالاة.