وقد أشارت إلى ذلك الفاضلة الكاملة زينب بنت رضي الدِّين الغزي شقيقة والدي رحمهم الله تعالى - وكانت من العلماء - بقولها: من السريع
لَيْسَ الفَتَى كُلُّ الفَتَى عِنْدَنا ... إِلَّا الَّذِي يَنْهَى عَنِ الفُحْشِ
يَأْتِي إِلَى الْخَيْراتِ مِنْ بابِها ... وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ بِلا فُحْشِ
وروى ابن الجوزي في"صفة الصفوة"عن رويم بن محمّد رحمه الله تعالى قال: الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم، ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار إليهم.
وروى الشّيخ أبو عبد الرّحمن السلمي في"طبقاته"عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى قال: للفتيان ثلاث علامات: وفاء بلا خلاف، ومدح بلا جور، وعطاء بلا سؤال.
وعن محمّد بن الفضل البلخي رحمه الله تعالى أنّه سئل: ما الفتوة؟
قال: حفظ السر مع الله تعالى على الموافقة، وحفظ الظّاهر مع الخلق بحسن العشرة، واستعمال الخلق؛ أي الحسن الجميل.
فينبغي التشبه بأهل الفتوة والمروءة في حمل أثقال الفتوات والمروءات، لا في الزي والدعوى مع خلو النفس عن كمالات الفتوة، وخصال المروءة؛ فإن ذلك يلحق العبد بأهل السَّفالة والنذالة،
وليس لعاقل أن يلحق نفسه بهؤلاء لا في هذا الخلق، ولا في غيره من أخلاق الأنذال والأوباش.
وفي"الحلية"لأبي نعيم: قيل لأبي عبد الله - يعني: السجزي - رحمه الله تعالى: ما يدفعك عن لبس المرقعة؟
فقال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان، ولا تدخل في حَمَلة أثقال الفتوة، فما يلبس لباس الفتيان من يقدر على حمل أثقال الفتوة.
فقيل له: وما الفتوة؟
قال: رؤية أعذار الخلق وتقصيرك، وتمامهم ونقصانك، والشفقة على الخلق برهم وفاجرهم، وكمال الفتوة هو أن لا يشغلك الخلق عن الله تعالى.
وروى السلمي عن شاه الكرماني رحمه الله تعالى قال: الفتوة من طباع الأحرار، واللؤم من شِيَم الأنذال.
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في"رسالته": أصل الفتوة أن يكون العبد أبدًا ساعيًا في أمر غيره؛ أي: موافقًا في ذلك للشرع.
ثمّ أسند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يَزالُ اللهُ تَعالَى فِي حاجَةِ"