-وأمّا المروءة الّتي لا تشترط في العدالة، بل هي أعم من العدالة، وهي أخلاق شريفة، وكمالات مرضية كالإحسان والإفضال، والعفو، والاحتمال، فقد اختلفت أقوال النَّاس فيها، وذكر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -
بعض أفرادها فيما رواه ابن عساكر عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ الرِّبْحُ عَلى الإِخْوانِ".
وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل من ثقيف:"ما الْمُرُوءَةُ فِيْكُمْ يا أَخا ثَقِيفٍ؟"
قال: الإنصاف والإصلاح.
قال:"وَكَذَلِكَ فِينا".
وقال الخرائطي: سمعت أبا موسى عمران بن موسى يقول: بلغني أن سفيان الثّوريّ رحمه الله تعالى سئل عن المروءة ما هي؟
قال: الإنصاف من نفسك والفضل؛ ألم تسمع الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [سورة النحل: 90] ؟ وهو التفضل.
ولا يتم الأمر إِلَّا بهما؛ ألَّا تراه لو أعطى جميع ما يملك، ولم يُنصف من نفسه، لم يكن له مروءة لأنّه لا يريد أن يعطيَ شيئًا إِلَّا يأخذ من صاحبه مثله؟ وليس هذا مروءة.
وروى ابن النجار عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
أنّه مر بقومٍ يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟
قالوا: نتذكر المروءة.
فقال: أوَ مَا كفاكم الله - عَزَّ وَجَلَّ - ذلك في كتابه إذ يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [سورة النحل: 90] ؟ فما بعد هذا؟
وروى أبو نعيم عن المزني قال: سمعت الشّافعيّ رحمه الله تعالى يقول: العلم مروءة من لا مروءة له.
وروى الدينوري في"المجالسة"عن إبراهيم النخعي رضي الله تعالى عنه قال: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق.
قال: ويقال: سرعة المشي تُذهب ببهاء المؤمّن.
وعن محمّد بن عمار قال: ما شيء أشد من حمل المروءة.
قيل له: وأي شيء هي المروءة؟
قال: أن لا تعمل شيئًا في السر تستحيي منه في العلانيّة.
وعن الأصمعي رحمه الله تعالى قال: ثلاثة يُحكم لهم بالمروءة
حتّى يتكلموا: رجل رأيته راكبًا، أو شممت منه رائحة طيبة، أو سمعته يعرب.