فهو تخلق المرء بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، فمن اختلَّت فيه هذه المروءة لم تقبل شهادته؛ لأنّ طرح هذا القذر من المروءة إمّا لنقصٍ في العقل، وإما لقلة المبالاة والحياء.
أمّا الأوّل فظاهر.
وأمّا الثّاني فلأنَّ من لا حياء له يصنع ما يشاء، كما في الحديث:
"إِذا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْتَ".
وقيل: من الوافر
وَرُبَّ قَبِيحَةٍ ما حالَ بَيْنِي ... وَبَيْنَ رُكُوبِها إِلَّا الْحَياءُ
إِذا لَمْ تَخْشَ عاقِبَةَ اللَّيالِي ... وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنع ما تَشاءُ
وروى الدينوري عن المدائني قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما وجدت لئيمًا قط إِلَّا وجدته رقيق المروءة.
وقال الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب"البرّ والصلة": بلغنا أن وفدًا وفدوا على معاوية رضي الله تعالى عنه فقال: ما تعدُّون المروءة فيكم؟
قالوا: العفاف في الدِّين، والإصلاح في المعيشة.
فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: اسمع يا يزيد.
وروى أبو نعيم عن أبي الوليد الجارودي قال: سمعت الشّافعيَّ رضي الله تعالى عنه يقول: لو علمت أن الماء البارد ينقص من مروءتي ما شربته.
وروى الخطيب عن أبي الحسن بن سمعون رحمه الله تعالى قال: رأيت المعاصي نَذَالة فتركتها مروءةً، فاستحالت ديانةً.
ويروى نحو هذا عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه.
وقال الخرائطي: وكان يقال: آفة المروءة خُلْفُ الوعد.
ويعجبني هنا ما ذكره الحاكم في"تاريخ نيسابور"عن أبي الحسن علي بن أحمد البُوشَنْجي العالم الزاهد الصوفي رحمه الله تعالى: أنّه سئل عن المروءة فقال: ترك ما يكرهه الكرام الكاتبون.
ونقل عنه أبو عبد الرّحمن السلمي في"طبقاته": أنّه سئل عن المروءة فقال: ترك استعمال ما هو محرم عليكم مع الكرام الكاتبين.
قال: وسئل مرّة أخرى: ما المروءة؟
فقال: حسن السر.
وروى أبو نعيم عن عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى قال: جالسوا أهل الدِّين، فإن لم تجدوهم فجالسوا أهل المروءات؛ فإنهم لا يَرْفُثُون في مجالسهم.
وأراد بذلك بعض أنواع المروءة؛ فإن كمالها يرجع إلى استكمال الدِّين.