قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر} : وأذبنا له عين النحاس أُسيلت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء ، وكانت بأرض اليمن ، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان .
{وَمَن يَزِغْ} : يملْ ويعدل {عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير} في الآخرة . عن أكثر المفسرين ، وقال بعضهم: في الدنيا ، وذلك أن الله تعالى وكّل بهم ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته.
{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} : مساجد ومساكن وقصور ، والمحراب: مقدم كل مسجد ، ومجلس وبيت . قال عدي:
كدُمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره [مستنير]
وكان مما عملوا له من ذلك بيت المقدس ، وقصته وصفته على ما ذكره أهل البصر بالسير أن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم (عليه السلام) حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يُحصون ، فلما كان زمن داوُد (عليه السلام) لبث فيهم ثلاثين سنة بأرض فلسطين ، وهم كل يوم يزدادُون كثرة ، فأُعجب داوُد بكثرتهم فأمر بعدّهم ، فكانوا يعدون زماناً من الدهر حتى أيسوا وعجزوا أن يحيط علمُهُم بعدد بني إسرائيل ، فأوحى الله إلى داوُد:"إني قد وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ولده فصدقني وائتمر أمري أن أُبارك له في ذريته ، حتى يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء وحتى لا يحصيهم العادّون ، وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم"وخيرّه بين أن يعذبهم بالجوع والقحط ثلاث سنين ، وبين أن يُسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر ، وبين أن يُرسل عليهم الطاعون ثلاثة أيام.