ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومُحَمَّد فترة زمان طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث اللَّه محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى مُحَمَّد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل جعل كلما يمر بهم - جلّى عنهم وكشف؛ فقَالَ بَعْضُهُمْ لبعض: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) ، أي: الوحي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال:
فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجدًا، (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) ، قال: إذا انجلى عن قلوبهم (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) .
وقوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) ، قيل: جلّى وكشف الغطاء.
قال الكسائي: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ) مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه وفرقه وفزع كله واحد.
ومن قرأ: (فُرِّغ) ، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن مسعود.
قَالَ بَعْضُهُمْ - في قوله: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) يقول: يخبرون بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون.
وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) ، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، (وَمَا لَهُمْ) في إنشائها (فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ) في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!.
وجائز أن يكون قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) .