ومثل هذا ما زعمه بعضهم أن ذاك فزع ملائكة أدنى السماوات عند نزول المدبرات إلى الأرض ، وقيل إن {حتى} غاية متعالقة بقوله تعالى: {زَعَمْتُمْ} أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم قال الحق وإليه يشير ما أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال في الآية: حتى إذا فزع الشيطان عن قلوبهم ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم به قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ثم قال: وهذا في بني آدم أي كفارهم عند الموت أقروا حين لا ينفعهم الأقرار ، والظاهر أن في الكلام عليه التفاتاً من الخطاب في {زَعَمْتُمْ} إلى الغيبة في {قُلُوبِهِمْ} وأن ضمير {قَالُواْ} الأول للملائكة الموكلين بقبض أرواحهم والمراد بالتفزيع عن القلوب كشف العطاء وموانع إدراك الحق عنها.
وما نقل عن الحسن من أنه قال: إنما يقال للمشركين ماذا قال ربكم أن علي لسان الأنبياء عليهم السلام فاقروا حين لا ينفع يحتمل أن يكون كالقول المذكور في أن ذلك عند الموت ويحتمل أن يكون قولاً بأن ذلك يوم القيامة إلا أن في جعل حتى غاية للزعم عليه غير ظاهر إذ لا يستصحبهم ذلك إلى يوم القيامة حقيقة كما لا يخفى ، وأبعد من هذا القول كون ذلك غاية لقوله تعالى: {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ} [سبأ: 21] وضمير قلوبهم لمن باعتبار معناه ، والتفزيع كشف اللغطاء ومواقف إدراك الحق بل هو مما لا ينبغي حمل كلام الله تعالى عليه.
وزعم بعضهم أن المعنى إذا دعاهم إسرافيل عليه السلام من قبورهم قالوا مجيبين ماذا قال ربكم حكاه في البحر ثم قال: والتفزيع من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ كما قال زهير:
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم...
طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل
وأنت تعلم أن التفزيع بالمعنى المذكور لا يتعدى بعن وأمر الغاية عليه ظاهر ، وبالجملة ذلك الزعم ليس بشيء.