المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله سبحانه {جزيناهم بما كفروا} وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى ، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك. وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر ، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم. وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} وهي قرى الشام {قرى ظاهرة} متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها ، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.
{وقدرنا فيها السير سيروا} فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى ، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها. ثم بين أمن تلك الطريق بقوله {سيروا} أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار. قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك. والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات. ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي ، أو يراد بالليالي واليام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.