وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة ، فمن قرأ الجمع فظاهر ، لأن كل أحد له مسكن ، ومن أفرد ينبغي أن يحمل على المصدر ، أي في سكناهم ، حتى لا يكون مفرداً يراد به الجمع ، لأن سيبويه يرى ذلك ضرورة نحو: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ، يريد بطونكم.
وقوله:
قد عض أعناقهم جلد الجواميس ...
أي جلود.
{آية} : أي علامة دالة على الله وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره ، أو جعل قصتهم لأنفسهم آية ، إذ: أعرض أهلها عن شكر الله عليهم ، فخربهم وأبدلهم عنها الخمط والإثل ثمرة لهم ؛ و {جنتان} : خبر مبتدأ محذوف ، أي هي جنتان ، قاله الزجاج ، أو بدل ، قال معناه الفراء ، قال: رفع لأنه تفسير لآية.
وقال مكي وغيره ، وضعفه ابن عطية ، ولم يذكر جهة تضعيفه.
وقال: {جنتان} ابتداء ، وخبره في قوله: {عن يمين وشمال} . انتهى.
ولا يظهر لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها ، إلا إن اعتقد إن ثمة صفة محذوفة ، أي جنتان لهم ، أو عظيمتان لهم {عن يمين وشمال} ، وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام مفلتاً مما قبله.
وقرأ ابن أبي عبلة: جنتين بالنصب ، على أن آية اسم كان ، وجنتين الخبر.
قيل: ووجه كون الجنتين آية نبات الخمط والإثل والسدر مكان الأشجار المثمرة.
قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار تسر الناس بظلالها ، ولم يرد جنتين ثنتين ، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة. انتهى.
قال الزمخشري: وإنما أراد جماعة من البساتين عن يمين بلدتهم ، وأخرى عن شمالها ، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة ، كما يكون بلاد الريف العامرة وبساتينها ، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله ، كما قال: {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} انتهى.
قال ابن زيد: لا يوجد فيها برغوث ، ولا بعوض ، ولا عقرب ، ولا تقمل ثيابهم ، ولا تعيا دوابهم ؛ وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار ، وعلى رأسها المكتل ، فيمتلئ ثماراً من غير أن تتناول بيدها شيئاً.