والجواب عنه، أن الإشارة أولاً إلى قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) (سبأ: 9) ، ولم يتقدم ما حركوا إلى الاعتبار به غير هذا، وقد انضم ذلك تحت ما الموصولة، ولفظها مفرد فروعي من حيث اللفظ فقيل: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) بالإفراد. وأما الثانية فتقدم قبلها قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ: 10) ، ثم قال: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) (سبأ: 12) ، ثم قال: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) (سبأ: 13) إلى قوله: (مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ: 14) ، ثم قال: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ....) (سبأ: 15) ، فذكر سبحانه بالاعتبار بما منح داود من تسبيح الجبال والطير معه وإلانة الحديد، وبما سخر لسيلمان، عليهما السلام، من الريح تحمله وجنوده حيث شاء في السرعة التي أشارت إليها الآية، وإسالة عين القطر له وهو النحاس المذاب، وعينه معدنه، وعمل الجن بين يديه تسخيراً فيما يريده من عمل ما شاء مما في قواهم، ثم ذكر ما كان لسبأ في مساكنهم من آية الجنتين عن يمين وشمال وأكلهم منها وتنعيمهم إلى أن أعرضوا فأرسل عليهم سيل العرم إلى آخر قصتهم، فهذه المعتبرات لم تدخل تحت موصول ولا اسم مفرد يضم جميعها بل ذكرت مفصلة، فقيل إشارةإلى جميعهما: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) ، ولا يمكن إلا هذا إذ لم يتقدم مفرد من موصول أو غيرذلك ما يجمع الكل