يونس 16 يعني تدبَّروا الأمر واعقلوه، فأنتم أهل البلاغة واللسان الفصيح، ومنكم الخطباء والشعراء ملأوا الدنيا كلاماً، فهل رأيتم مني شيئاً من هذا؟ إذن الذي قال {أَم بِهِ جِنَّةٌ ..} سبأ 8 احتاط لنفسه، فحين يظهر صِدْق رسول الله يقول هو أنا قُلْت إنه إما كاذب، وإما مجنون. ثم يردُّ الحق على هؤلاء {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ} سبأ 8 كلمة بَلْ تفيد الإضراب عما قبلها ونفيه ورفضه، ثم إثبات ما بعدها، فهي تنفي أن يكون رسول الله مفترياً، وتنفي أن يكون مجنوناً لأن رسول الله ما جرَّبتُمْ عليه كذباً من قبل، وما رأيتم عليه علامة من علامات الجنون لأن المجنون لا يُحمد على فعل، ولا يُذم على فعل، ولا يُوصَف بصدق ولا كذب، وقد سبق أن مدحتم رسول الله فقلتم عنه"الصادق الأمين".
لذلك يقول الحق سبحانه
{نا وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
القلم 1 - 4 وهل يُوصَف المجنون بأنه على خلق عظيم؟ هل يُوصَف المجنون بالأدب أو الوفاء أو غيرها من خصال الخلق الحميد؟ فكيف إذن تصفون رسول الله بالجنون، وقد شهدتم له بسيدة الخصال الحميدة في النفس البشرية وهي الأمانة، وكنتم تأتمنونه على أشيائكم، وتضعونها عنده؟ لذلك خلَّف رسول الله الإمام علياً وراءه بعد أنْ هاجر ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها. وبعد أن أبطل الحق سبحانه كذبهم على رسول الله يقرر ما يستحقونه على ذلك من العذاب {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ} سبأ 8 في العذاب لأنهم اتهموا رسول الله بالكذب والافتراء على الله، ورسول الله لم يكذب، ولم يفْترِ على الله، وهم في الضلال البعيد لأنهم وصفوا رسول الله بالجنون، وهو شيء مُخِلٌّ بتكوينه إنما لم يكذب، إذن العذاب مقابل الاتهام بالافتراء على الله، والضلال البعيد مقابل اتهامه صلى الله عليه وسلم بالجنون. ثم يقول الحق سبحانه {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ ...} .