«قُرًى ظَاهِرَةً» متواصلة أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى لقربها منها فكان شَجَرُهُمْ من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلُون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سَبَإ إلى الشام.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذا من النعم والله تعالى أراد بيان تبديل نعمهم بقوله: {وبَدَّلْنَاهُمْ بجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَيْنِ} فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النعمة؟
فالجواب: أنه ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكَثْرة القُرى ثم ذكر تبديله ذلك بالمَفَاوز والبَرَارِي والبَوَادِي بقوله: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} .
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ... (31) }
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس هم مؤمنين بالوحدانية والحشر؟
فالجواب: إذا لم يصدق واحد بما في كتاب من الأمور المختصة به يقال إنه لم يؤمن بشيء منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره إيمانه لا بما فيه، كمن يكذب رجلاً فيما يقوله، فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه، ولكن لا يقال بأنه صدقة، لأنه إنما صدق نفسه، فإنه كان عالماً به من قبل، وعلى هذا فقوله: «بَيْنَ يَدَيْهِ» الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: {وَهُوَ خَيْرُ الرازقين} ينبئ عن كثرة الرّازقين ولا رازق إلاَّ الله؟
فالجَوابُ: أن يقال: الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى: {أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] وأيضاً فإن الصفات منها ما هو لله وللعبد حقيقة كالعلم بأن الله واحد فإن الله يعلم أنه واحد، والعبد يعلم أنه واحدٌ حقيقة ومنها ما يقال للَّهِ حقيقةً وللعبد مجازاً مثل الرزَّاق والخَالِق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئاً فالله هو المعطي في الحقيقة ولكن لما وجدت صورة العطاء من العبد سُمّي معطياً وهذا منه.