قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ)
أَيْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ (مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي الدُّنْيَا.
(وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) الْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَحُقُّهُ: هُوَ يَقْذِفُ وَيَرْجُمُ بِالْغَيْبِ. (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لِمَنْ يَرْجُمُ وَلَا يُصِيبُ، أَيْ يَرْمُونَ بِالظَّنِّ فَيَقُولُونَ: لَا بَعْثَ وَلَا نُشُورَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، رَجْمًا منهم بالظن، قال قَتَادَةُ.
وَقِيلَ: (يَقْذِفُونَ) أَيْ يَرْمُونَ فِي الْقُرْآنِ فَيَقُولُونَ: سِحْرٌ وَشِعْرٌ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وَقِيلَ: فِي مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُونَ سَاحِرٌ شَاعِرٌ كَاهِنٌ مَجْنُونٌ.
(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) أَيْ أَنَّ اللَّهَ بَعَّدَ لَهُمْ أَنْ يَعْلَمُوا صِدْقَ مُحَمَّدٍ.
وَقِيلَ: أَرَادَ الْبُعْدَ عَنِ الْقَلْبِ، أَيْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ (وَيُقْذَفُونَ بِالْغَيْبِ) غَيْرَ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، أَيْ يُرْمَوْنَ بِهِ.
وَقِيلَ: يَقْذِفُ بِهِ إليهم من يغويهم ويضلهم.
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(54)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)
قِيلَ: حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقِيلَ: حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ.
وَمَذْهَبُ قَتَادَةَ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَهُونَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ أَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ عز وجل وَيَنْتَهُوا إِلَى مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ اللَّهُ فَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ في الدنيا أو قد زَالَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالْأَصْلُ (حُوِلَ) فَقُلِبَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ عَلَى الْحَاءِ فَانْقَلَبَتْ يَاءً ثُمَّ حُذِفَتْ حَرَكَتُهَا لِثِقَلِهَا.
(كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ) الْأَشْيَاعُ جَمْعُ شَيْعٍ، وَشِيَعٌ جَمْعُ شِيعَةٍ.
(مِنْ قَبْلُ) أَيْ بِمَنْ مَضَى مِنَ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ الْكَافِرَةِ.