في مقابل ذلك النور المتجلي في السماوات والأرض ، المتبلور في بيوت الله ، المشرق في قلوب أهل الإيمان.. يعرض السياق مجالاً آخر. مجالاً مظلماً لا نور فيه. مخيفاً لا أمن فيه. ضائعاً لا خير فيه. ذلك هو مجال الكفر الذي يعيش فيه الكفار:
{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والله سريع الحساب. أو كظلمات في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج ، من فوقه سحاب. ظلمات بعضها فوق بعض ، إذا أخرج يده لم يكد يراها. ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} ..
والتعبير يرسم لحال الكافرين ومآلهم مشهدين عجيبين ، حافلين بالحركة والحياة.
في المشهد الأول يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة ، يلتمع التماعاً كاذباً ، فيتبعه صاحبه الظامئ ، وهو يتوقع الري غافلاً عما ينتظره هناك.. وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة.. فهذا السائر وراء السراب ، الظامئ الذي يتوقع الشراب ، الغافل عما ينتظره هناك.. يصل. فلا يجد ماء يرويه ، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال ، المرعبة التي تقطع الأوصال ، وتورث الخبال: {ووجد الله عنده} ! الله الذي كفر به وجحده ، وخاصمه وعاداه. وجده هنالك ينتظره! ولو وجد في هذه المفاجأة خصماً له من بني البشر لروّعه ، وهو ذاهل غافل على غير استعداد. فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار؟
{فوفاه حسابه} .. هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والفجاءة ، {والله سريع الحساب} .. تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع!
وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ؛ ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي. موج من فوقه موج. من فوقه سحاب. وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض ، حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام!