وقال أبو البقاء:"والوجه الثاني: أنَّ التقدير: شيئاً من جبالٍ ، فحُذِفَ الموصوفُ واكتُفِي بالصفةِ . وهذا الوجهُ هو الصحيحُ ؛ لأنَّ قولَه {فِيهَا مِن بَرَدٍ} يُحْوِجُك إلى مفعولٍ يعودُ الضميرُ إليه ، فيكونُ تقديرُه: ويُنَزِّلُ مِنْ جبالِ السماء جبالاً فيها بَرَدٌ . وفي ذلك زيادَةُ حَذْفٍ ، وتقديرٌ مُسْتغنى عنه". وفي كلامه نظرٌ ؛ لأنَّ الضميرَ له شيءٌ يعودُ عليه وهو السماء ، فلا حاجةَ إلى تقديرِ شيءٍ آخرَ ؛ لأنَّه مُسْتغنى عنه ، وليسَ ثَمَّ مانعٌ يمنعُ مِنْ عَوْدِه على السماء . وقوله آخراً:"وتَقْديرٌ مستغنى عنه"، وينافي قولَه:"وهذا الوجه هو الصحيح". والضميرُ في"به"يجوزُ أن يعودَ على البَرد وهو الظاهرُ ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الوَدْق والبَرَد معاً ، جرياً بالضمير مَجْرى اسمِ الإِشارةِ . كأنه قيل: فَيُصيب بذلك ، وقد تقدَّم نظيرُه في مواضعَ .
قوله: {سَنَا بَرْقِهِ} العامَّةُ على قَصْر"سَنا"وهو الضَّوْءُ ، وهو مِنْ ذواتِ الواوِ ، يُقال: سَنا يَسْنُو سَناً . أي: أضاءَ يُضيْءُ . قال أمرؤُ القيس:
3454 يضيءُ سَناه ، أو مصابيحُ راهِبٍ ... ... ... ... ... ... ... ...
والسَّنا بالمدِّ: الرِفْعَةُ . قال:
3455 وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَناءً وسُنَّماً ... ... ... ... ... ... ... ...
وقرأ ابنُ وثَّاب"سَناءُ بُرَقِه"بالمدِّ ، وبضمِّ الباء مِنْ"بُرَقِه"وفتح الراء . ورُوي عنه ضَمُّ الراءِ أيضاً . فأمَّا قراءةُ المدِّ فإنه شَبَّه المحسوسَ من البرقِ لارتفاعِه في الهواءِ بغير المحسوسِ من الإنسانِ . وأمَّا"بُرَقِه"فجمعُ بُرْقَة ، وهي المقدارُ من البرقِ كقُرَب . وأمَّا ضمُّ الراءِ فإتباعٌ كظُلُمات بضمِّ اللام إتباعاً لضم الظاء . وإنْ كان أصلُها السكونَ .