وأنشد أبو عبيدة:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقال المبرد: الودقُ: المطر. سمي ودقًا لخروجه من السحاب يقال: ودقت سرته إذا خرجت.
وقوله: {مِنْ خِلَالِهِ} خَلَلُ السَّحاب: مخارج القطر، والجميع: الخلال.
قال أبو إسحاق: خلال: جمع خَلَل، مثل جَبَل وجبال.
وقوله: {مِنْ خِلَالِهِ} من أضعافه.
وذكرنا معنى الخلال عند قوله {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 5] .
وقوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} ذكر الفراء والزَّجاج في هذا تقديرين:
أحدهما: وهو قول الفراء: أن الجبال في السَّماء من برد خلقة مخلوقة، كما تقول في الكلام: الآدمي من لحم ودم، فـ (من) هاهنا تسقط فتقول: الآدمي لحم ودم، والجبال برد، وكذا سمعت تفسيره.
وقال أبو إسحاق: المعنى: من جبال برد فيها كما تقول: (هذا خاتم في يدي من حديد) ، المعنى: هذا حاتم حديد في يدي.
قال أبو علي: مفعول الإنزال على هذا التقدير محذوف، حذف للدلالة عليه والتقدير: وينزل من السماء من جبال برد فيها بردًا، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه كما قال تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] .
قال: ويجوز أن يكون {مِنْ بَرَدٍ} في موضع نصب على قول أبي الحسن في زيادة (من) في الإيجاب كما تقول: أكلت من طعام. فيكون البرد منزلًا على هذا.
ويكون ذكر الجنس الذي منه الجبال محذوفًا إذا جعلت {مِنْ بَرَدٍ} في موضع المفعول به. واختار المبرد هذا التقدير، وقال: أي من جبال في السماء، وتلك الجبال من برد.
وهذا قول ابن عباس قال: أخبر الله تعالى أن في السَّماء جبالًا من برد.
وهذا القول هو الذي عليه التفسير، وأصل العربية.
وقالوا: (من) الأولى لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء.
والثانية: للتبعيض؛ لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء.