ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق
نعم أسعى إليك على جفوني ... وإن بعدت لمسراك الطريق
وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}
قال الشاعر
لما انتسبت إليك صرت معظما ... وعلوت قدرا دون من لم ينسب
وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} ، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} ، {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}
ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى {بيدك الخير} وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) }
ومن المقدم بالرتبة: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر} لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد.
على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال:"وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريم"
فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...