(وَلِي أَنَّةُ الشَّاكِي وَإِنْ بَعُدَ الْمَدَى ... مَا بَيْنَنَا وَتَنَفُّسُ المكروب)
قوله تعالى {وعلى كل ضامر} أَيْ رُكْبَانًا عَلَى ضُمَّرٍ مِنَ السَّفَرِ. نَجَائِبَ تَحْمِلُ الأَحْبَابَ، صَوَابِرَ عَلَى الإِنْضَاءِ وَالإِتْعَابِ، تَرْفُلُ بِالزَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ، ادَّخَرَتْ لَهُمُ التُّحَفَ وَالْبَشَائِرَ، وَنَظَرَتْ إِلَى صَبْرِهِمْ عَلَى فِرَاقِ الْعَشَائِرِ، ودعوتهم إِلَى نَيْلِ الأَمَلِ الْوَافِرِ، وَرَحِمَتْ شَعْثَ الشَّعَثِ وَغُبَارَ الْمُسَافِرِ، وَكَتَبَتْ فِي حَسَنَاتِهِمْ خَطَوَاتِ كُلِّ ذِي خُفٍّ وَحَافِرٍ، وَأَرْبَحَتْ تِجَارَةَ كُلِّ وَارِدٍ نَحْوِي وَصَادِرٍ، وَأَعَدَّتْهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَمَا فِيهِمْ من خَاسِرٌ، فَنَادِهِمْ: {يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} . قَوْلُهُ تَعَالَى {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}
يَأْتِينَ: فِعْلٌ لِلنُّوقِ.
وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ"يَأْتُونَ"عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ لِلرِّجَالِ. وَالْفَجُّ الْعَمِيقُ: الْمَكَانُ الْبَعِيدُ.
صَبَرُوا عَلَى مَشَاقِّ الطَّرِيقِ بَيْنَ هُبُوطٍ وَصُعُودٍ وَمَضِيقٍ، وَاحْتَمَلُوا لأَجْلِي خُلُقَ الرَّفِيقِ، وَرَضُوا مِنْ فَرِيقِهِمْ بِالْبِعَادِ وَالتَّفْرِيقِ، وَحَدِيَتْ بِهِمُ الْمَطَايَا مِنْ كُلِّ بَلَدٍ سَحِيقٍ، وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ، وَصَابَرُوا ظَمَأَ الشِّفَاهِ وَقِلَّةَ الرِّيقِ، فَلأُسْقِيَنَّهُمْ يَوْمَ لِقَائِي مِنَ السَّلْسَبِيلِ وَالرَّحِيقِ، فَنَادِهِمْ {يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عميق}
قوله تعالى {ليشهدوا منافع لهم} وَهِيَ رِبْحُ التِّجَارَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابُ فِي الأُخْرَى.
سُبْحَانَ مَنْ إِلَى بَيْتِهِ حَمَلَهُمْ وَبِفِنَائِهِ أَنْزَلَهُمْ وَإِلَى حَرَمِهِ أَوْصَلَهُمْ، وَبِإِخْلاصِ قَصْدِهِ جَمَلَهُمْ، فَلَقَدْ جَمَعَ الْخَيْرَ الْجَمَّ لَهُمْ {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهم} .