وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية ، فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى كما ذكرنا وقال:"لتأخذوا عني مناسككم"فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية ، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل: أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها ، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص ، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم ، والعلم عند الله تعالى.
وأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب ، فلفظة: لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور ، وتثنيتها للتكثير: أي إجابة لك بعد إجابة ، ولزوماً لطاعتك ، وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى ، قال: وإنما انقلبت ألفه ياء لاتصالها بالضمير ، كما قلبت ألف لدى ، وإلى ، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول: لديك ، وإليك وعليك بإبدال الألف ياء ، والأظهر قول سيبويه ، وجمهور أهل اللغة.
ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإضافة للاسم الظاهر لا الضمير كما في قول الشاعر ، وهو أعرابي من بني أسد:
دعوتُ لما نابني مِسورَا... فلبى فلبى يدي مسور