ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور: هو أن الله أمر به ، وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور. أما الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فوراًن لامتثال أوامر الله قكوله {وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] الآية ، وكقوله {سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الحديد: 21] الآية ، وبينا دلالة تلك الآيات وأمثالها على اقتضاء الأمر الفور ، وأوضحنا ذلك.
وأما اللغة: فإن أهل اللسان العربي ، مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء ، فلم يفعل ، فأدبه ، فليس للعبد أن يقول له: صيغة أفعل في قولك: اسقني ماءن تدل على التراخي ، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخ عن الأمر بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فوراً ، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والتراخي.
وأما العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي ، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معين ينتهي عندها ، وإما ألا والقسم الأول ممنوع ، لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه ، دون غيره من الأزمنة ، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه.
إن قلنا: إنه ليس على الفور.
والحاصل: أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع.
والقسم الثاني الذي هو: أن تراخيه ، ليس له غاية ، يقتضي عدم وجوبه ، لأن ما جاز تركه جوازاً ، لم تعين له غاية ينتهي إليها ، فإن تكره جائز إلى غير غاية ، وهذا يقتضي عدم وجوبه والمفروض وجوبه.
فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.