قال نفطويه: سألت أعرابياً: ما معنى قوله {ثم ليقضوا تفثهم} ، فقال: ما أفسّرُ القرآن ولكن نقول للرجل ما أتفثك ، أي ما أدرَنَك.
وعن أبي عبيدة: التّفَث: قصّ الأظفار والأخذُ من الشارب وكل ما يحرم على المُحرم ، ومثله قوله عكرمة ومجاهد وربما زاد مجاهد مع ذلك: رمي الجمار.
وعن صاحب"العين"والفراء والزجاج: التفث الرمي ، والذبح ، والحلق ، وقصّ الأظفار والشارب وشعر الإبط.
وهو قول الحسن ونسب إلى مالك بن أنس أيضاً.
وعندي: أن فعل {ليقضوا} ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج وليس وسَخاً ولا ظفراً ولا شعراً.
ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفاً.
وأن موقع (ثمّ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بـ (ثمّ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة ، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية:"فلمّا قضيت بعون الله التفث ، واستبحت الطيبَ والرفث ، صادف موسم الخَيف ، معمعان الصيف".
وقوله: {وليوفوا نذورهم} أي إن كانوا نذوراً أعمالاً زائدة على ما تقتضيه فريضة الحجّ مثل نذر طواف زائد أو اعتكاف في المسجد الحرام أو نسكاً أو إطعام فقير أو نحو ذلك.
والنذر: التزام قُربة لله تعالى لم تكن واجبة على ملتزِمها بتعليققٍ على حصول مرغوب أو بدون تعليق ، وبالنذر تصير القربة الملتزَمة واجبة على الناذر.
وأشهر صِيَغِه: لله عليّ...
وفي هذه الآية دليل على أن النذر كان مشروعاً في شريعة إبراهيم ، وقد نذر عُمر في الجاهلية اعتكاف ليلة بالمسجد الحرام ووفى به بعد إسلامه كما في الحديث.
وقرأ الجمهور {ولِيُوفوا} بضم التحتية وسكون الواو بعدها مضارع أوفى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم {وليوَفُّوا} بتشديد الفاء وهو بمعنى قراءة التخفيف لأن كلتا الصيغتين من فعل وفي المزيد فيه بالهمزة وبالتضعيف.