قال ابن العربيّ: لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإِحاطة باللغة ، قال: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعراً ولا أحاطوا بها خبراً ؛ لكني تتبعت التفث لغةً فرأيت أبا عبيدة مَعْمر بن المُثَنَّى قال: إنه قص الأظفار وأخذ الشارب وكل ما يَحْرُم على المحرِم إلا النكاح.
قال: ولم يجئ فيه شعر يُحتج به.
وقال صاحب العين: التفث هو الرمي والحلق والتقصير والذبح وقص الأظفار والشارب والإِبط.
وذكر الزجاج والفرّاء نحوه ، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء.
وقال قُطْرُب: تفثَ الرجل إذا كثر وسخه.
قال أميّة بن أبي الصَّلْت:
حَفُّوا رؤوسهمُ لم يحلِقوا تَفَثاً ...
ولم يَسُلُّوا لهم قَمْلاً وصِئبانا
وما أشار إليه قُطْرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك ، وهو الصحيح في التفث.
وهذه صورة إلقاء التفث لغة ، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المُعْتَمِر هَدْيه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقَّى ولبس فقد أزال تفثه ووفَّى نذره ؛ والنذر ما لزم الإنسان والتزمه.
قلت: ما حكاه عن قُطْرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماورديّ ، وذكر بيتاً آخر فقال:
قَضَوْا تَفَثاً ونَحْباً ثم ساروا ...
إلى نَجْدٍ وما انتظروا علِيّا
وقال الثعلبيّ: وأصل التفث في اللغة الوسخ ؛ تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك ؛ أي ما أوسخك وأقذرك.
قال أمية بن أبي الصلت:
ساخّين آباطهم لم يقذفوا تفثاً ...
وينزعوا عنهمُ قَمْلاً وصِئبانا
الماورديّ: قيل لبعض الصلحاء ما المعنِيّ في شعث المحرِم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته.