قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ الْأَكْلِ ، إلَّا أَنَّ السَّلَفَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَضَاحِيّ وَهَدْيَ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ أَوْ الْهَدَايَا الَّتِي تَجِبُ مِنْ جِنَايَاتٍ تَقَعُ مِنْ الْمُحْرِمِ فِي الْإِحْرَامِ نَحْوَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَا يَجِبُ عَلَى اللَّابِسِ وَالْمُتَطَيِّبِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ وَنَحْوِهَا ، فَأَمَّا دِمَاءُ الْجِنَايَاتِ فَمَحْظُورٌ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهَا ، وَأَمَّا دَمُ الْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ وَالتَّطَوُّعِ فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْأَكْلَ مِنْهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي دَمِ الْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُجِيزُ الْأَكْلَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُبِيحُ الْأَكْلَ مِنْهُ وَلَا يُوجِبُهُ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَكُلُوا مِنْهَا} لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ قَالُوا:"إنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ"قَالَ مُجَاهِدٌ: إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَأْكُلُونَ مِنْ الْبُدْنِ حَتَّى نَزَلَتْ: {فَكُلُوا مِنْهَا} فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ.