واعلم أن الذي وقع مني كله بأمر اللّه"وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"ولا باختياري ورأبي"ذلِكَ"الذي ذكرته لك"تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً"82 واعترضت به علي ، هذا وفي قول الخضر عليه السلام عند ذكر العيب (أردت) أضافه إلى نفسه على سبيل الأدب مع ربه ، وفي الحقيقة إن ذلك من اللّه لأنه بأمره فعل ما فعل كما قضاه في الأزل عز وجل ، وفي ذكر القتل قال (أردنا) بلفظ الجمع تنبيه على أنه من العارفين بعلمه تعالى ، العاملين بأمره فيما يؤول إليه الأمر ، وأنه لم يقدم على فعل القتل إلا لحكمة عالية بإلهام من ربه ، ولذلك أذعن والداه كما مر آنفا ، وقال ثالثا (فَأَرادَ رَبُّكَ) لأن حفظ الأنبياء وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا للّه وحده ، ولذلك أضافه إليه.
هذا ، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى (ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) إلخ على أن الخضر نبي لأن النبي من لم يفعل بأمره بل بالوحي ، والوحي من شأن الأنبياء ، وأول هذا المستدل قوله تعالى (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا بأنها النبوة لأن لفظ الرحمة أطلقت في مواضع كثيرة على الرحمة والنبوة والرسالة في القرآن العظيم ، وقد أخرج هذا القول ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، ولذلك مشى عليه جمهور من العلماء على أنه نبي لا رسول ، وقال القشيري وجماعة أنه ولي وهو الصحيح ، وأجابوا عن قوله تعالى(ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) بأنه إلهام من اللّه والأولياء ملهمون والإلهام من درجات الأنبياء لأنهم أول ما يرون الرؤيا الصالحة الصادقة ، ثم الإلهام ، ثم الوحي بواسطة الملك ، وعن قوله (آتيناه رحمة) إلخ أنه علم الباطن ، وعلى هذا أكثر العارفين وأهل العلم.